وحدثت المفاجأة الغريبة المحرجة بقدوم زوجها ، وهما يتسابقان إلى الباب ، فقال تعالى: وَاسْتَبَقَا الْبابَ أي وتسابقا إلى الباب ، بناء على حذف الجارّ وإيصال الفعل كقوله تعالى: وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ [الأعراف 7/ 155] أو بناء على تضمين اسْتَبَقَا معنى: ابتدرا ، والتسابق مختلف الغرض ، فيوسف فرّ منها مسرعا يريد الباب ليخرج ، وهي أسرعت وراءه لتمنعه الخروج. وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ أي لحقته في أثناء هربه ، فأمسكت بقميصه من الخلف ، فقطعته.
وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ أي وحينئذ وجدا سيدها وهو زوجها عند الباب ، فحاولت بمكرها وكيدها التنصل من جرمها وإلصاق التهمة بيوسف ، فقالت: ما جزاء من أراد بأهلك فاحشة إلا أن يحبس ، أو عذاب مؤلم موجع ، فيضرب ضربا شديدا. وكانت نساء مصر تلقب الزوج بالسيد ، ولم يقل:
سيدهما لأن استرقاق يوسف غير شرعي.
وهنا ذكر الرازي علامات كثيرة دالة على أن يوسف عليه السّلام هو الصادق وهي « 1 » :
1 -إن يوسف عليه السّلام كان في اعتبارهم عبدا ، والعبد لا يتسلط على مولاه إلى هذا الحد.
2 -شوهد يوسف يعدو عدوا شديدا ليخرج ، وطالب المرأة لا يفعل ذلك.
3 -زيّنت المرأة نفسها على أكمل الوجوه ، خلافا لما كان عليه حال يوسف.
4 -لم تكن سيرة يوسف في المدة الطويلة دالة على حالة تناسب ، هذا الفعل المنكر.
5 -لم تصرح المرأة بنسبته إلى الفاحشة ، بل أجملت كلامها ، وأما يوسف فصرح بالأمر.
6 -إن زوج المرأة كان عاجزا ، فطلب الشهوة منها أولى.
لكل هذا لم تطلب عقوبة شديدة ، وإنما أرادت أن يحبس يوما أو أقل ، على سبيل التخفيف والتخويف لأن حبها الشديد ليوسف حملها على أن تشفق عليه ، ولكنها من جانب آخر استحيت أن تقول: إن يوسف قصدني بالسوء ، وأرادت تصيّد عذر ما ، وحماية سمعتها وكرامتها أمام زوجها.
ذكر بعضهم: ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه اللّه ، فألقى عليه هيبة النبوة ، فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه.
ثم جاء دور براءة يوسف: قالَ: هِيَ راوَدَتْنِي .. قال يوسف بارّا صادقا مدافعا عن نفسه حينما اتهمته بقصد السوء: هي التي راودته عن نفسه ،
(1) المرجع السابق: 18/ 123