والخلاصة: لم يرتكب يوسف عليه السّلام المعصية قط ، ولولا حفظ اللّه ورعايته وعصمته لهمّ بها. وللعلماء في الآية تفسيران: الأول - إنه لم يهمّ بها لرؤية برهان ربه ، فهو الذي منعه من الهمّ ، والثاني - إنه همّ بمقتضى الطبيعة البشرية ، ثم تنبه للمانع من وقوع المعصية ، ورأى برهان اللّه وتذكره ، مثل قوله تعالى:
وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا [الإسراء 17/ 74] .
وبه تبين وجود الفارق بين الهمين: همها به وهمه ، فهي قد همت بالانتقام منه والتنكيل به ، شفاء لغيظها ، أو همت بمخالطته ، فكان همها المعصية ، وهو همّ عزم وتصميم. وهو قد همّ بالدفاع عن نفسه ، والتخلص منها ، حين رأى بوادر الإقدام عليه ، ولكنه رأى برهان ربه وعصمته التي جعلته يهم بالفرار من هذا المأزق ، فكان همه النجاة منها وهو مجرد حديث نفس وخاطر ، وما هم بالسوء بها لما رأى برهان ربه لعصمة الأنبياء ، قال تعالى: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ ، إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ
لذا أتبعه بقوله: وَاسْتَبَقَا الْبابَ أي فبادر إلى الباب هربا ، وبادرت هي إلى الباب صدا له عن الهرب. وأراد اللّه صرف السوء عنه فقال: كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ أي مثل ذلك التثبيت على العفة أمام دواعي الفتنة والإغراء ثبتناه ، وكما أريناه برهانا صرفه عما كان فيه ، كذلك نقيه السوء والفحشاء في جميع أموره. والسوء: المنكر والمعصية وخيانة السيد ، والفحشاء: الزنى والفجور.
إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ أي إن يوسف من عباد اللّه الذين اصطفاهم واختارهم لوحيه ورسالته وصفاهم من الشوائب ، فلا يستطيع الشيطان إغواءهم ، كما قال تعالى: وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ [ص 38/ 47] .