فهرس الكتاب
فالبدو على هذا قصد هذا الموضع يقال: بدا القوم بدوا إذا أتوا بدا كما يقال: أغاروا غوراً إذا أتوا الغور، فالمعنى أتى بكم من قصد بدا فهم حينئذ حضريون كذا قاله الواحدي في البسيط وذكره القشيري وهو خلاف الظاهر جداً {مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى} أي أفسد وحرش، وأصله منه نزغ الرابض الدابة إذا نسخها وحملها على الجري وأسند ذلك إلى الشيطان مجازاً لأنه بوسوسته وإلقائه، وفيه تفاد عن تقريبهم أيضاً تعظيماً لأمر الإحسان لأن النعمة بعد البلاء أحسن موقعاً.
واستدل الجبائي والكعبي.
والقاضي بالآية على بطلان الجبر وفيه نظر {إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء} أي لطيف التدبير له إذ ما من صعب إلا وتنفذ فيه مشيئته تعالى ويتسهل دونها كذا قاله غير واحد، وحاصله أن اللطيف هنا بمعنى العالم بخفايا الأمور المدبر لها والمسهل لصعابها، ولنفوذ مشيئته سبحانه فإذا أراد شيئاً سهل أسبابه أطلق عليه جل شأنه اللطيف لأن ما يلطف يسهل نفوذه، وإلى هذا يشير كلام الراغب حيث قال: اللطيف ضد الكثيف ويعبر باللطيف عن الحركة الخفيفة وتعاطي الأمور الدقيقة فوصف الله تعالى به لعلمه بدقائق الأمور ورفقه بالعباد، فاللام متعلقة بلطيف لأن المراد مدبر لما يشاء على ما قاله غير واحد، وقال بعضهم إن المعنى لأجل ما يشاء، وهو على الأول متعد باللام وعلى الثاني غير متعد بها وقد تقدم آنفاً ما في ذلك {إِنَّهُ هُوَ العليم} بوجوه المصالح {الحكيم} الذي يفعل كل شيء على وجه الحكمة لا غيره.