ثم جعل يدعو ربه في الخاتمة وإتمام النعمة بقوله:(رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ
وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ)أي: فهم معاني الوحي وتأويل [الرؤيا] ونحو هذا،
وما أظهر له من صدق التأويل في الحكمة التي أظهر له في تأويل سجود
الشمس والقمر والكواكب في رؤياه، ثم التفضيل له على إخوته واجتبائه على من
سواه (وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ) فضم معاني الوحي وتأويل الرؤيا ونحو
هذا (فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي: خلقًا وأمرًا
ورضًا (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) فسأل ربه باسمه
الفاطر أن يتوفاه مسلمًا على ما فطر السماوات والأرض عليه وفطره.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"كل مولود يولد على الفطرة"وفي أخرى:"على"
الإسلام"."
وأنس من كريم حفايته بهم فيما تقدم حسن توليه - عز وجل - إيًاه، فناداه من قرب
الولاية يقول - عليه السلام: كما فطرتني على الإسلام الذي فطرت عليه السماوات
والأرض توفني مسلمًا، وكما توليتني في الدنيا تولني في الآخرة وألحقني
بالصالحين.
وقد تقدم ذكر سجود آدم لربه وأنه لما سوَّاه خلقًا ظاهرا، ثم لما نفخ فيه
من روحه سوَّاه باطنًا، فعقل عند ذلك عن نفسه من هو، وأنه عبد لربه الذي قرره
على التزام العبودية ألهمه السجود إليه فسجد لسجوده الملائكة كلهم أجمعون،
إلا إبليس كانت إمامة من الله أكرمه بها.
قوله - جلَّ جلالُه - فيما حكاعنهم: (وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ ... )
هذا يدل على ما تقدم ذكره ويؤيده بعلمه، وأنه بتأويل لرؤيا علمًا
مجملاً، فذكَّر أباه ببعض الجملة وأعرض عن ذكر بعض فعل المحسنين يعدد بذلك
نعم ربه ويحدث بها، ولما كان الغرض ذلك لم يحدث بما أصابه من ضر ووصب
وغير ذلك، وهكذا يكون الشكر والثناء -
ثم ختم ذلك بقوله: (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(100) .
كان الذي شاء ربنا - جلَّ جلالُه - إنفاذ ما أنفذه، فلطف في استياق المقدورات إلى مقاديرها بعلمه وحكمته، لا إله إلا هو. انتهى انتهى {تفسير ابن برجان. 3/ 124 - 131} ...