ثم يحتمل ذهاب العلماء المتقدمين، الذين تقدموا رسول اللَّه في الأمم السالفة؛ وهم علماء أهل الكتاب؛ فيقول ألا يعتبرون بأُولَئِكَ الذين قبضوا وتفانوا من علمائهم؟ فلا بدّ من رسول يعلمهم الآداب والعلوم؛ ويجدد لهم ما دَرَس من الرسوم وذهب، من الآثار؛ فكيف أنكروا رسالته؟ وفي بعث الرسول حدوث العلماء؛ وذلك وقت حدوث العلماء وزمانه؛ فإن كان أراد العلماء المتأخرين وففهاءهم - فيخرج ذلك مخرج التعزية له؛ أي: تصير الأرض بحال توصف بالنقصان، بذهاب العلماء والفقهاء. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) .
قيل: لا رادَّ لحكمه، وحكمه: يحتمل: العذاب الذي حكم على الكفرة؛ يقول: لا رادَّ للعذاب الذي حكم عليهم؛ أوهو كقوله: (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ) ، أي: احكم بالعذاب الذي حكمت عليهم.
ويحتمل قوله: (لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ) أي: لا يتعقب أحد حكمه؛ ولا يعقب أحد سلطانه؛ كما يكون في حكم الخلائق يتعقب بعض عن بعض، وكما ذكر في الحفظة: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ) ، يتعقب بعض عن بعض في الحفظ؛ وفيما سلطوا. واللَّه أعلم.
(وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) هذا قد ذكرناه في غير موضع.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ(42)
أي: مكر الذين من قبلهم برسلهم؛ كمكر هَؤُلَاءِ بك يصبر رسوله على أذاهم به.
ثم يحتمل المكر به وجهين:
أحدهما: مكروا بنفسه؛ هموا قتله وإهلاكه.
والثاني: مكروا بدينه الذي دعاهم إليه وأراد إظهاره؛ هموا هم إطفاء ذلك وإبطاله وكذلك مكر الذين من قبلهم برسلهم يخرج على هذا. واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا) .
هذا أيضًا يخرج على وجهين: