وهم طلبوا الفتح بمعنى طلبوا النصر ، وكانت تلك خيبةً من الكفار ؛ فَهُمْ طلبوا الفتح أي النصر ؛ وهم قد فعلوا ذلك مظنّة أن عندهم ما ينصرهم .
وكيف ينصرهم الله وهم كافرون؟
لذلك يُخيِّب الله ظنهم ويحكم عليهم بمصير كل مَنْ عاش جباراً في الأرض ، متكبراً عن عبادة ربه .
ويقول سبحانه:
{وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ} [إبراهيم: 15] .
والجبار هو مَنْ يقهر الناس على ما يريده ؛ والمقصود هنا هم المُتكبِّرون عن عبادة الحق سبحانه وتعالى ، ويعاندون في مسألة الإيمان به سبحانه .
وماذا ينتظرهم من بعد ذلك؟
يقول الحق سبحانه: {مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ...} .
أي: من خلف الجبار المُتعنِّت بالكفر جهنمُ ، وما فيها من عذاب . وفي العامية نسمع مَنْ يتوعد آخر ويقول له"وراك ... وراك"ويعني بذلك أنه سيُوقع به أذىً لم يَأتِ أوانه بَعْد .
وكلمة"وراء"في اللغة لها استخدامات متعددة ؛ فمرَّة تأتي بمعنى"بَعْد"والمثل في قوله تعالى عن امرأة إبراهيم عليه السلام:
{وامرأته قَآئِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَآءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ} [هود: 71] .
أي: جاء يعقوب من بعد إسحاق .
ومرّة تُطلق"وراء"بمعنى"غير"مثل قول الحق سبحانه: {والذين هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلاَّ على أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابتغى وَرَآءَ ذلك فأولئك هُمُ العادون} [المؤمنون: 5 - 7] .
وهنا يقول الحق سبحانهك
{مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ ...} [إبراهيم: 16] .
ونعلم أن جهنم ستأتي مستقبلاً ، أي: أنها أمامه ، ولكنها تنتظره ؛ وتلاحقه .
ويتابع الحق سبحانه:
{ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ} [إبراهيم: 16] .
والصديد هو الماء الرقيق الذي يخرج من الجُرْح ، وهو القَيْح الذي يسيل من أجساد أهل النار حين تُشْوى جلودهم .