وقال أبو الحسن: بل هو في موضع نصب، واستدل بقوله جل ذكره: {إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ} وقال: لو لم يكن الكاف في موضع نصب لما عطف عليه {وَأَهْلَكَ} منصوبًا، فلما عطف عليه كذلك عُلم أن الكاف منصوب، لأنه لما اتصل عاقب النون والتنوين، فهو بمنزلة ما لا ينصرف، كقولك: حواج بيت الله، وضوارب زيدًا، فكما لم يمكن تنوين هذا ونصب به، كذلك هذا لما لم يمكن دخول النون ولا التنوين معه منصوبًا.
{وَأَهْلَكَ} عند صاحب الكتاب منصوب على إضمار فعل، أي: وننجي أهلك.
وقوله: {إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ} أي: إلا بلوغًا ملتبسًا بالمشقة، والشِّقُّ بالكسر: المشقة هنا، وقرئ: (إلا بشَقِّ الأنفس) بفتح الشين، قيل: وهي لغة في الشِّق الذي بمعنى المشقة، عن أبي عبيدة وغيره.
وذهب بعضهم: إلى أن المراد بالشِّقِّ النصف، على معنى: لم تكونوا بالغيه إلا بنصف النفس لذَهاب النصف بالتعب، أي: بنصف قوى أنفسكم.
وأما المفتوح فهو مصدر قولك: شَقَّ عليَّ الأمرُ. يشُقُّ شَقًّا ومشَقَّةً، والشِّقُّ بالكسر الاسم.
{وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) } :
قوله عز وجل: {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ} عطف على الأنعام.
وقوله: {وَزِينَةً} فيها ثلاثة أوجه:
أحدها: مفعول له، وهو معطوف على محل {لِتَرْكَبُوهَا} أي: وخلق الخيل والبغال والحمير للركوب والزينة.
والثاني: مصدر لفعل محذوف، أي: وخلق هؤلاء لتركبوها ولتتزينوا بها زينة.
والثالث: نصب على إضمار فعل، أي: وجعلها زينة.
وقرئ: (لتركبوها زينة) بغير واو، وفيه وجهان:
أحدهما: مفعول له متعلق بقوله: {لِتَرْكَبُوهَا} أي: لتركبوها زينة، أو بما قبله، أي: وخلقها زينة لتركبوها.
والثاني: حال من الضمير في {لِتَرْكَبُوهَا} إما من الفاعل، بمعنى: متزينين بها، أو من المفعُول، أي: وخلقها لتركبوها وهي زينة وجمال.
{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) } :