فهرس الكتاب
وقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ} إشارة إلى ما تراءى لذي القرنين عند غروب الشمس كأنها تغرب في عين، وهذه العين (حمئة) داكنة اللون، لما تجمع حولها وأحاط بها من الطين والأعشاب، على غرار ما يتراءى لراكب السفينة في البحر، أو الواقف على شاطئه، من أن الشمس تغرب في الماء وراء الأفق، بينما هي في الحقيقة إنما تغيب عن مكان لتشرق على مكان آخر، وهي لا تفارق فلكها الخاص.
وقوله تعالى حكاية عن ذي القرنين: {قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} إشارة
إلى السياسة العادلة التي سار عليها ذو القرنين في حكمه، مما مكن له في الأرض، وجعله موضع الرضا عند الله، والثناء في كتاب الله. وهذه السياسة كما رسمتها الآية الكريمة تقوم على تشجيع العمل الصالح، ومعاملة أهله بمزيد من الرعاية والعناية، وعلى مكافحة العمل الفاسد، ومواجهة المفسدين بالعقاب الرادع في الدنيا، مع الوعيد بالعذاب الأليم في الآخرة {عَذَابًا نُكْرًا} أي عذابا غير معروف ولا يخطر على قلب بشر.
وقوله تعالى حكاية عن ذي القرنين: {ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا * حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا} يحتمل احتمالين: إما أنه عندما توغل في أقصى الشرق اكتشف قوما"بدائيين"لا يزالون عراة الأجسام، بحيث لا يسترهم من الشمس أي شيء، وإما أنه اكتشف قوما منبوذين بالعراء، يعيشون فوق أراضي جرداء، لا ديار لهم ولا أشجار، ولا كهوف عندهم ولا أغوار، وبذلك لم يكن بينهم وبين قيظ الشمس وحرها أي ستار، مثل الصحارى الشاسعة، والسهوب الواسعة.