وَإِنَّمَا لَمْ يُرِدْ أَنَّ الثَّرَى نَطَقَ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ تَلَبَّدَ بِالنَّدَى، فَمَنَعَهُ مِنَ الِانْهِيَالِ، فَكَانَ مَنْعُهُ إِيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ كَالنَّهْيِ مِنْ ذَوِي الْمَنْطِقِ فَلَا يَنْهَالُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: {جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ} قَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَعْنَاهُ: قَدْ قَارَبَ مِنْ أَنْ يَقَعَ أَوْ يَسْقُطَ، وَإِنَّمَا خَاطَبَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِالْقُرْآنِ مَنْ أُنْزِلَ الْوَحْي بِلِسَانِهِ، وَقَدْ عَقَلُوا مَا عَنَى بِهِ وَإِنِ اسْتَعْجَمَ عَنْ فَهْمِهِ ذَوُو الْبَلَادَةِ وَالْعَمَى، وَضَلَّ فِيهِ ذَوُو الْجَهَالَةِ وَالْغَبَا.
وَقَوْلُهُ: {فَأَقَامَهُ} ذَكَرَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: هَدَمَهُ ثُمَّ قَعَدَ يَبْنِيهِ.
وَقَالَ، آخَرُونَ: رَفَعَ الْجِدَارَ بِيَدِهِ فَاسْتَقَامَ
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ أَخْبَرَ أَنَّ صَاحِبَ مُوسَى وَمُوسَى وَجَدَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ صَاحِبُ مُوسَى، بِمَعْنَى: عَدَلَ مَيْلَهُ حَتَّى عَادَ مُسْتَوِيًا. وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ ذَلِكَ بِإِصْلَاحٍ بَعْدَ هَدْمٍ.
وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ كَانَ بِرَفْعٍ مِنْهُ لَهُ بِيَدِهِ، فَاسْتَوَى بِقُدْرَةِ اللَّهِ، وَزَالَ عَنْهُ مَيْلُهُ بِلُطْفِهِ، وَلَا دَلَالَةَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَلَا خَبَرٍ لِلْعُذْرِ قَاطِعٌ بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَيٍّ.
وَقَوْلُهُ: {قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا}
يَقُولُ: قَالَ مُوسَى لِصَاحِبِهِ: لَوْ شِئْتَ لَمْ تُقِمْ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ جِدَارَهُمْ حَتَّى يُعْطُوكَ عَلَى إِقَامَتِكَ أَجْرًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا عَنَى مُوسَى بِالْأَجْرِ الَّذِي قَالَ لَهُ {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} الْقِرَى: أَيْ حَتَّى يُقْرُونَا، فَإِنَّهُمْ قَدْ أَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُونَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى بِذَلِكَ الْعِوَضَ وَالْجَزَاءَ عَلَى إِقَامَتِهِ الْحَائِطَ الْمَائِلَ.
وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاءُ فِي قِرَاءَةِ ذَلِكَ، فَقَرَأَتْهُ عَامَّةُ قُرَّاءِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ
وَالْكُوفَةِ {لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} عَلَى التَّوْجِيهِ مِنْهُمْ لَهُ إِلَى أَنَّهُ لَافْتَعَلْتَ مِنَ الْأَخْذِ.