وقوله: (فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا) .
قال أَبُو عَوْسَجَةَ: سَرَبًا، أي: دخل في البحر كما يدخل في السرب، والسرب: هو داخل الأرض يقال بالفارسية: سمج.
وقَالَ الْقُتَبِيُّ: سَرَبًا، أي: مذهبا ومسلكا.
وقول أهل التأويل: إن الحوت كان مشويًّا فأحياه اللَّه.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: كان طريًّا.
ولكن ليس لنا إلى معرفة الحوت أنه كان مشويَّا أو طريًّا حاجة، وهو قادر على أن يحييه مشويًّا أو طريًّا في أي حال كان، واللَّه أعلم.
وقوله - عزت جل -: (فَلَمَّا جَاوَزَا ...(62)
يعني: مكانه.
(قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) .
فيه دلالة: أن لا بأس للرجل إذا أصابته مشقة وجهد أن يذكر أصابني كذا، وللمريض يقول: بي من المرض كذا، ولا يخرج ذلك مخرج الشكوى والجزع عن اللَّه؛ حيث قال موسى: (لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا) : تعبًا وجهدًا.
وقوله: (قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا(63)
وفي حرف ابن مسعود: (أَنْ أَذْكُرَهُ) .
قال الحسن: لم يكن نسيه؛ ولكن تركه متعمدًا مضيعًا، وإنما أضاف إلى الشيطان؛ يقول: إن الشيطان حملني حتى تركت ذكره لك، وكذلك يقول في قوله في قصة آدم: (فَنسَيَ) ، أي: ضيع أمره وتركه، ونحوه من المحال، ولكن لا يحتمل أن يترك أن يذكر له عمدًا، والشيطان مما يسعى بالحيلولة في مثل هذا: في أمر الذين، وفي النعم إذا كثرت واتسعت على إنسان؛ فيسعى بالإنساء في مثله.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) .
قَالَ بَعْضُهُمْ: عجب موسى من الفتى أن كيف نسي أن يذكره، وقد احتاج إلى أن يتحمل مؤنة عظيمة في حمله؟!