يحتمل أن الثنيا منه على الأمرين جميعًا على الصبر الذي وعد، وعلى قوله: (وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) ، ويشبه أن يكون على وعد الصبر خاصة دون قوله: (وَلَآ أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) ؛ لأن قوله: (وَلَآ أَعْصِي لَكَ) عهد منه، والثنيا لا يستعمل في العهود، وأما قوله: (سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا) إنما هو فعل أضافه إلى نفسه، فلابد من أن يستثني فيه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ ...(70) ما تنكره نفسك وتكرهه، (حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) أني لماذا فعلت ما فعلت؟.
وقوله: (فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) .
هذا الكلام يخرج على وجهين:
يخرج على الإنكار عليه، أي: خرقتها؛ لتغرق أهلها، أو لتعيبها، أو لماذا هذا الخرق؟ استفهام لولا قوله: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) .
فإن كان على الأول على الإنكار عليه والرد - فقوله: (لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا) : ظاهر، أي: جئت شيئا عظيمًا شديدًا.
وإن كان على الاستفهام، فهو على الإضمار؛ كأنه قال: أخرقتها لتغرق أهلها؟! فلئن خرقتها لتغرق أهلها، لقد جئت شيئًا إِمْرًا عظيمًا شديدًا؛ وإن كان التأويل على الإنكار - فهو كما يقال لمن يبني بناء ثم يترك الإنفاق عليه في عمارته: بنيت لتخرب أو لتهدم، وكما يقال لمن زرع زرعًا، ثم ترك سقيه: زرعت لتفسده، ونحوه، وإن كان لم يبن لذلك، ولم يزرع لما ذكر، ولكن لما كذلك يصير في العاقبة إذا ترك سقيه أو عمارة ما بنى.
فَإِنْ قِيلَ: كيف قال له موسى: (أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا) ، وبعد لم يعلم أن ذلك الخرق مغرق أهلها، وقد يجوز أن يكون غير مغرق؟!