وتلحظ أيضاً تكرار كلمة {أَهْلَ} فلما قال: {أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ} [الكهف: 77] فكان المقام للضمير فيقول: استطعموهم ، لكنه قال: {استطعمآ أَهْلَهَا . .} [الكهف: 77] لأنهم حين دخلوا القرية: هل قابلوا كل أهلها ، أم قابلوا بعضهم الذين واجهوهم أثناء الدخول؟
بالطبع قابلوا بعضهم ، أما الاستطعام فكان لأهل القرية جميعاً ، كأنهما مرّا على كل بيت في القرية وسألا أهلها جميعاً واحداً تلو الآخر دون جدوى ، كأنهم مجمعون على البُخْل ولُؤْم الطباع .
ثم يقول الحق سبحانه وتعالى: {فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ . .} [الكهف: 77]
أي: لم يلبثا بين هؤلاء اللئام حتى وَجَدا جداراً يريد أنْ ينقضّ ، ونحن نعرف أن الإرادة لا تكون إلا للمفكر العاقل ، فإنْ جاءت لغير العاقل فهي بمعنى: قَرُب . أي: جداراً قارب أنْ ينهار ، لما نرى فيه من علامات كالتصدُّع والشُّروخ مثلاً .
وهذا الفهم يتناسب مع أصحاب التفكير السطحي وضَيِّقي الأفق ، أما أصحاب الأفق الواسع الذين يعطون للعقل دوره في التفكير والنظر ويُدققون في المسائل فلا مانع لديهم أنْ يكون للجدار إرادة على أساس أن لكل شيء في الكون حياةً تناسبه ، ولله تعالى أن يخاطبه ويكون بينهما كلام .
ألم يقل الحق سبحانه: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض . .} [الدخان: 29]
فإذا كانت السماء تبكي فقد تعدَّتْ مجرد الكلام ، وأصبح لها أحاسيس ومشاعر ، ولديها عواطف قد تسمو على عواطف البشر ، فقوله: {فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض . .} [الدخان: 29] دليل على أنها تبكي على فَقْد الصالحين .
وقد سُئِل الإمام علي رضي الله عنه عن هذه المسألة فقال:"نعم ، إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان: موضع في السماء وموضوع في الأرض ، أما موضعه في الأرض فموضع مُصلاَّه ، أما موضعه في السماء فهو مصعد عمله".