فهرس الكتاب
ويتجلى من سياق هذه السورة على العموم التركيز على وحدة الرسالة الإلهية، وإن تعدد حملتها الذين تلاحقوا عليها جيلا بعد جيل، والتركيز على مضمون تلك الرسالة، وكونها رسالة تثبت الوحدانية لله، وتنفي عنه الشريك والولد نفيا باتا، كما تثبت البعث بعد الموت، وتقرر الجزاء الأخروي في الدار الآخر.
أما بداية"سورة مريم"فقد عنيت بالحديث عن زكرياء عليه السلام، {إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا} الذي أحس عند كبره بحاجته إلى إنجاب ولد صالح يكون خير خلف لخير سلف، فالتجأ إلى الله بالتوسل والدعاء ليهب له غلاما يرث عنه العلم والدين، رغما عن كون امرأته عاقرا لا ينتظر منها عادة أن تلد، وذلك قوله تعالى: {كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي} أي خاف شرار بني إسرائيل أن يغيروا من الدين، وأن لا يحسنوا الخلافة بعده
{وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} ،واستجاب الله دعاء عبده زكرياء فنودي من السماء {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا} أي موافقا له في اسمه، فلم يسبق أن حمل هذا الاسم أحد قبله.
وبعد ميلاد يحيى ناداه ربه {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ} ، ونوه كتاب الله بخصال يحيى وبروره بوالديه، ومقامه الكريم عند ربه، رغما عن كونه لا يزال صبيا دون البلوغ، فقال تعالى: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} أي الحكمة والفقه في الدين {وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً} أي طهارة وصلاحا {وَكَانَ تَقِيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا * وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} .