وأما إن النبي صلّى الله عليه وسلم لم يبادر بالحج سنة تسع عام الفرضية لأن الوقت حينئذ كان زمن النسيء (تأخير أزمان الشهور) ولم يكن الزمن الحقيقي قد استقر حتى تعود عشر ذي الحجة إلى مركزها الصحيح من السنة، وقد علم النبي صلّى الله عليه وسلم أنها ستعود إلى مركزها الحقيقي في السنة العاشرة، فتأخر إليها كي يقع حجة في الوقت الحقيقي الذي فرض الله على الناس الحج فيه. وليس على أبي بكر الذي حج في السنة التاسعة ولا على غيره حرج في حجهم ما دام أمر الزمان مختلطا.
ونداء إبراهيم بالحج على جبل أبي قبيس وإسماع صوته إلى الآفاق معجزة، فالله قادر على إيصال صوت إبراهيم إلى من يشاء في أي مكان. أخرج ابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قال: ربّ قد فرغت، فقال: أذّن في الناس بالحج، قال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ قال:
تعال أذّن، وعلي البلاغ، قال: ربّ كيف أقول؟ قال: قل: «يا أيها الناس، كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق» فسمعه أهل السماء والأرض، ألا ترى أنهم يجيبون من أقصى البلاد، يلبّون.
3 -قوله: يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ وعد بإجابة الناس إلى حج البيت ما بين راجل وراكب. وفيه دليل على جواز كل من المشي والركوب إلى الحج، ولا خلاف في ذلك، وإنما الخلاف في الأفضل منهما:
فرأى بعض المالكية أن المشي أفضل، لما فيه من المشقة على النفس،
ولحديث ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري قال: حجّ النبي صلّى الله عليه وسلم وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة
، ولقول ابن عباس المتقدم.
وذهب جمهور الفقهاء منهم الإمام مالك إلى أن الركوب أفضل، اقتداء بالنبي صلّى الله عليه وسلم، ولكثرة النفقة، ولتعظيم شعائر الحج بأهبة الركوب. وأما مجرد تقديم رِجالًا على الركبان فلا يدل على الأفضلية، لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، ولجواز أن يكون تقديم الرجال على الركبان، للإشارة إلى مسارعة الناس في الامتثال، حتى إن الماشي ليكاد يسبق الراكب.
وترفع الأيدي عند رؤية البيت الحرام في مذهب أحمد وجماعة لما