فهرس الكتاب
وإن هذا التشبيه يصور لنا حال المشرك كيف تتكاثف عليه ظلمات الباطل، فالشرك يكون كلجة دخل بها في بحر من الباطل لَا حدود له، وكلما أوغل فيه ازداد إعتاما، وهكذا تتضافر أسباب إظلام الأمور على العقل، فكلما خطا خطوة انسد عليه باب الإدراك انسدادا، تبتدئ بعبادة غير الله، ثم بالذبح لغير الله، ثم بتحريم ما أحل الله وإسناد التحريم، ثم باستباحة ما حرم الله من الخمر وأكل الخنزير، وأكل الموقوذة، والنطيحة، والميتة، وهكذا تتكاثف الظلمة، حتى لَا يرى حقا، ولا باطلا، ويكون لمن إِذا أخرج يده لم يكد يراها، وختم الله الآيتان بقوله تعالى (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) ، وهذا في مقام التجريد للتشبيه؛ لأنه مناسب للمشبه به، وليس بمناسب للمشبه لأن المؤدى، (وَمَن لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا) يؤديه إلى الحق، كما كان من المشركين الذين أدت أفعالهم إلى ظلمات متكاثفة، (فَمَا لَهُ مِن نورٍ) كان تشبيه ظلمات الكفر بالبحر اللجي، والذي يعلوه ويستره موج من فوقه موج من فوقه سحاب، موعزا إلى التفكير في تكوين السحاب ونزول الأمطار، وبذلك الإيعاز الفكري الذي يكون من آية إلى معاني تالية، ترتبط آيات القرآن الكريم فيكون بعضها آخذا بحجز بعض في ارتباط عقلي نفسي، ولذا عقب هاتين الآيتين ببيان تسبيح الطير في السماء فقال عز من قائل:
(أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ(41)
الاستفهام في (أَلَمْ تَرَ) ، إنكاري بمعنى النفي مع التنبيه إلى الحقائق لإدراكها، وهو داخل على نفي، وهو"لم"، ونفي النفي إثبات، والمعنى: قد رأيت أن الله يسبح له من في السماوات والأرض، ومعناها يقدسه ويخضع له ويسجد، أما تسبيحه فلأنه يدل على كمال الله تعالى، وتنزيهه عن مشابهة الحوادث، وأنه واحد أحد، وأنه صمد ليس بوالد ولا ولد، وأما السجود، فهو الخضوع الكامل لله تعالى.