قِيلَ: الْبِشَارَةُ وَقَعَتْ عَلَى الْمَجْمُوعِ: عَلَى ذَاتِهِ وَوُجُودِهِ، وَأَنْ يَكُونَ نَبِيًّا، وَلِهَذَا نُصِبَ"نَبِيًّا"عَلَى الْحَالِ الْمُقَدَّرِ، أَيْ: مُقَدَّرًا نُبُوَّتَهُ، فَلَا يُمْكِنُ إِخْرَاجُ الْبِشَارَةِ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَصْلِ، ثُمَّ تُخَصُّ بِالْحَالِ التَّابِعَةِ الْجَارِيَةِ مَجْرَى الْفَضْلَةِ، هَذَا مُحَالٌ مِنَ الْكَلَامِ، بَلْ إِذَا وَقَعَتِ الْبِشَارَةُ عَلَى نُبُوَّتِهِ فَوُقُوعُهَا عَلَى وُجُودِهِ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَأَيْضًا فَلَا رَيْبَ أَنَّ الذَّبِيحَ كَانَ بِمَكَّةَ، وَلِذَلِكَ جُعِلَتِ الْقَرَابِينُ يَوْمَ النَّحْرِ بِهَا، كَمَا جُعِلَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَرَمْيُ الْجِمَارِ تَذْكِيرًا لِشَأْنِ إِسْمَاعِيلَ وَأُمِّهِ، وَإِقَامَةً لِذِكْرِ اللَّهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ إِسْمَاعِيلَ وَأُمَّهُ هُمَا اللَّذَانِ كَانَا بِمَكَّةَ دُونَ إِسْحَاقَ وَأُمِّهِ، وَلِهَذَا اتَّصَلَ مَكَانُ الذَّبْحِ وَزَمَانُهُ بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ الَّذِي اشْتَرَكَ فِي بِنَائِهِ إِبْرَاهِيمُ وَإِسْمَاعِيلُ، وَكَانَ النَّحْرُ بِمَكَّةَ مِنْ تَمَامِ حَجِّ الْبَيْتِ الَّذِي كَانَ عَلَى يَدِ إِبْرَاهِيمَ وَابْنِهِ إِسْمَاعِيلَ زَمَانًا وَمَكَانًا، وَلَوْ كَانَ الذَّبْحُ بِالشَّامِ كَمَا يَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَمَنْ تَلَقَّى عَنْهُمْ لَكَانَتِ الْقَرَابِينُ وَالنَّحْرُ بِالشَّامِ لَا بِمَكَّةَ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ سَمَّى الذَّبِيحَ حَلِيمًا؛ لِأَنَّهُ لَا أَحْلَمَ مِمَّنْ أَسْلَمَ نَفْسَهُ لِلذَّبْحِ طَاعَةً لِرَبِّهِ. وَلَمَّا ذَكَرَ إِسْحَاقَ سَمَّاهُ عَلِيمًا، فَقَالَ تَعَالَى: {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ - إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ} [الذَّارِيَاتِ: 24 - 25]
إِلَى أَنْ قَالَ: {قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذَّارِيَاتِ: 28]
وَهَذَا إِسْحَاقُ بِلَا رَيْبٍ لِأَنَّهُ مِنَ امْرَأَتِهِ، وَهِيَ الْمُبَشَّرَةُ بِهِ، وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَمِنَ السُّرِّيَّةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمَا بُشِّرَا بِهِ عَلَى الْكِبَرِ وَالْيَأْسِ مِنَ الْوَلَدِ، وَهَذَا بِخِلَافِ إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّهُ وُلِدَ قَبْلَ ذَلِكَ.