{وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطاءِ} ؛ أي: الشركاء الذين خلطوا أموالهم، جمع خليط كظريف وظرفاء، والخلطة: الشركة، وقد غلبت في الماشية {لَيَبْغِي} ؛ أي: ليتعدى {بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ} ويظلمه غير مراع لحق الصحبة والشركة، وهذا من كلام داود، يدل على أن زمانه كان فيه الظلم والاعتداء كثيرًا، وقرئ {ليبغي} بفتح الياء، على تقدير حذف النون الخفيفة، وأصله: ليبغين كقوله: إضرب عنك الهموم طارقها. يريد اضربن. ويكون على هذا القراءة، على تقدير قسم محذوف، ذلك القسم وجوابه خبر لـ {إِنَّ} . وعلى قراءة الجمهور يكون: {لَيَبْغِي} خبرًا لـ {إِنَّ} . وقرئ {ليبغ} بحذف الياء كقوله: محمد تفد نفسك كل نفس؛ أي: تفدى على أحد القولين. {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ} منهم. فإنهم يجتنبون عن البغي، والعدوان {وَقَلِيلٌ ما هُمْ} ؛ أي: وهم قليل، فهم مبتدأ، و {قَلِيلٌ} خبره قدم عليه للاهتمام به، وإنما أفرد تشبيها بفعيل، بمعنى مفعول. و {ما} مزيدة لتأكيد القلة، أو للإبهام أو التعجب من قلة الموصوفين بالإيمان، وصالح العمل. {وَظَنَ داوُدُ} ؛ أي: علم وأيقن داود {أَنَّما فَتَنَّاهُ} و {ما} كافة زائدة؛ أي: علم داود أنا فتناه، واختبرناه بهذه الواقعة؛ لأنها جارية مجرى الامتحان. والظن هنا مستعار للعلم الاستدلالي لما بينهما من المشابهة، يعني: أن الظن الغالب لما كان يقارب العلم استعير له، فالظن يقين، لكنه ليس بيقين عيان، فلا يقال فيه: إلا العلم.
والمعنى: وعلم داود بما جرى في مجلس الحكومة، إنما فعلنا به الفتنة والامتحان لا غير، بتوجيه الحصر إلى نفس الفعل بالقياس إلى ما يغايره من الأفعال، فتنبه لذلك {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ} لذنبه إثر ما علم أن ما صدر منه ذنب، كما استغفر آدم عليه السلام بقوله: {رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا} إلخ، وموسى عليه السلام بقوله: {تُبْتُ إِلَيْكَ} ، وغيرهما من الأنبياء الكرام، على ما بيّن في موضعه.