الجواب أن يقال: إن هذه الآية في قوم تخلفوا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلم من غير عذر، وتأخّروا عن الجهاد معه والغزو، وقالوا: شغلتنا أموالنا وأهلونا، ثم سألوه صلّى الله عليه وسلم أن يستغفر لهم، يكتمون بذلك نفاقهم، ويظهرون وفاقهم، وأنهم محتاجون إلى استغفاره لهم وقصد استمالته، وأن لا تضرهم عداوته، ثم قال: {قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً} أي:
من يملك لكم نفعا {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا} ومن يملك لكم ضرا إن {أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً}
ومعناه: إن أراد إنزال العذاب بكم لم يكن لكم من يدفعه عنكم، كما أنه إن أراد الإنعام عليكم لم تضركم إساءة المسيء إليكم، فلما كان في قوم مخصوصين، احتيج إلى قوله:
{لَكُمْ} ليتبين فأما الآية التي في سورة المائدة، فإنها لم تخرج عن أن تكون مخصوصة في فريق دون فريق، بل عمّ بها أي: لا يملك أحد دون الله شيئا فيما يريده من خير وشر في عباده، ويدل عليه قوله: {إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً} فلما سيقت الآية إلى العموم لم يحتج إلى:
{لَكُمْ} التي للخصوص.
الآية الثالثة من سورة الفتح
قوله تعالى: {إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً} وقال بعده: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً} .
للسائل أن يسأل: عن الأولى لماذا ختمت بقوله: {خَبِيراً} ؟ وعن الثانية لماذا ختمت بقوله: {بَصِيراً} ؟.