وإذا احتج به من رحم أهل المعاصي بالقدر احتج به من أقام عليهم حدود الله فقطع السارق ورجم الزاني وجلد الشارب
وإذا احتج به من أرباب الحكم بالظاهر احتج به أرباب السياسة العادلة المبنية على القرائن الظاهرة فإنه حبس في تهمة وعاقب في تهمة.
وأخبر عن نبي الله سليمان أنه عليه السلام حكم بالولد للمرأة بالقرينة الظاهرة مع اعترافها لصاحبتها به فلم يحكم بالاعتراف الذي ظهر له بطلائه بالقرينة وترجم أبو عبد الرحمن على الحديث ترجمتين إحداهما قال التوسعه للحاكم أن يقول للشيء الذي لا يفعله افعله ليستبين به الحق ثم قال الحكم بخلاف ما يعترف به المحكوم عليه إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به وكذلك الصحابة عملوا بالقرائن في حياته وبعده فقال على رضي الله عنه للمرأة التي حملت كتاب حاطب لتخرجن الكتاب أولا لأجردنك وحد عمر رضي الله عنه في الزنا بالحبل وفي الخمر بالرائحه
وحكى الله سبحانه عن شاهد يوسف حكاية مقرر غير منكر أنه حكم بقرينة شق القميص من دبر على براءته
وقال لابن أبي الحقيق وقد زعم أن النفقة أذهبت كنز حيي بن أخطب:
"العهد قريب والمال أكثر من ذلك"
فاعتبر قرينتين دالتين على بقاء المال وعاقبه حتى أقر به.
وجوز لأولياء القتيل أن يحلفوا على رجل إنه قتله ويقتلونه به بناء على القرائن المرجحة صدقهم وشرع الله سبحانه رجم المرأة إذا شهد عليها زوجها في اللعان وأبت أن تلاعن للقرينة الظاهرة على صدقه.
وشريعته طافحة بذلك لمن تأملها، فالحكم بالقرائن الظاهرة من نفس شريعته وما جاء به فهو حجة لقضاة الحق وولاة العدل كما أنه حجة على قضاة السوء وولاة الجور والله المستعان.
والمقصود بهذا الفصل أنه ليس الفقراء الصابرون بأحق به من الأغنياء الشاكرين، وأحق الناس به أعلمهم بسنته وأتبعهم لها وبالله التوفيق. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...