قلت: فائدته أن يجددوا عند استماع كل نبأ من أنباء الأولين ادكارا واتعاظا، وأن يستأنفوا تنبها واستيقاظا إذا سمعوا الحث على ذلك والبعث عليه، وأن يقرع لهم العصا مرات، ويقعقع لهم الشن تارات لئلا يغلبهم السهو، ولا تستولى عليهم الغفلة، وهذا حكم التكرير، كقوله:
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ عند كل نعمة عدها في سورة الرحمن.
وكقوله: وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ عند كل آية أوردها في سورة المرسلات، وكذلك تكرير الأنباء والقصص في أنفسها، لتكون تلك العبر حاضرة للقلوب، مصورة للأذهان، مذكورة غير منسية في كل أوان .. .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان ما حل بفرعون وقومه، وبتحذير مشركي قريش من سوء عاقبة كفرهم، وببيان ما أعد لهم من عذاب يوم القيامة، وبتبشير المتقين بحسن العاقبة فقال - تعالى -:
[سورة القمر (54) : الآيات 41 إلى 55]
(وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ(41)
وقصة فرعون وملئه مع موسى - عليه السلام - قد تكررت في سور متعددة، منها سور:
الأعراف، ويونس، وهود، وطه، والشعراء، والقصص.
وهنا جاء الحديث عن فرعون وملئه في آيتين، بين - سبحانه - ما حل بهم من عذاب، بسبب تكذيبهم لآيات الله - تعالى - ، فقال - سبحانه -: وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ.
والمراد بآل فرعون: أقرباؤه وحاشيته وأتباعه الذين كانوا يؤيدونه ويناصرونه.
والنذر: جمع نذير، اسم مصدر بمعنى الإنذار، وجيء به بصيغة الجمع، لكثرة الإنذارات التي وجهها موسى - عليه السلام - إليهم.
أي: والله لقد جاء إلى فرعون وآله، الكثير من الإنذارات والتهديدات على لسان نبينا موسى - عليه السلام - ولكنهم لم يستجيبوا له ...
بل كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها أي: بل كذبوا بجميع المعجزات التي أيدنا موسى - عليه السلام - بها، والتي كانت تدل أعظم دلالة على صدقه فيما يدعوهم إليه.
وأكد - سبحانه - هذه المعجزات بقوله، كلها للإشعار بكثرتها، وبأنهم قد أنكروها جميعا دون أن يستثنوا منها شيئا.
وقوله: فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ بيان لشدة العذاب الذي نزل بهم إذ الأخذ