والمعهود أن البحر يستخرج منه اللؤلؤ والمرجان، وإنما يستخرج منه الدر
على ما ذكره المستخرجون له من أصدافه، وأن اللَّه يخلقه من ماء المطر فتنفتح تلك
الأصداف، الماء ينزل من السماء في أوان مخصوص فتقع فيها فتقوم الأصداف له
مقام الأرحام لنطف أو بيض الطير لما وجد له وماء البحر مقام الحضانة وهذا
يقوي القول بأن البحرين المذكورين هما: الفتح والفيح، وبآخره يكون المعني بذلك
البحران العذب والمالح، ألا تراه لما جاء إلى الإخبار عن جري الفلك أفرد ذكر
البحر بقوله: (وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ) .
يقول الله - جل من قائل: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(23) .
بنعمه الموعود بها في الآخرة أو بالمعجل منها في الدنيا؟ أم بعذابه الذي أوعد به في
الآخرة أو بما عجل منه لمن شاء من عباده؟ سخر لكم البحر يعطيكم مما عنده
وينفعكم بما فيه، وتعبرون عليه إلى مقاصدكم في الفلك؛ ولتبتغوا من فضله،
ولتشكروا الذي سخر لكم جهنم وهي لكم عدو فيصير لكم منها جنة معجلة
ينعشكم منها ويخلقكم من موجوداتها بواسطة رحمته، لا شيء من آلائك ربنا
نكذب، فلك الحمد في الأولى والآخرة ولك الحكم وإليك يرجع الأمر كله.
قوله تعالى: (وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَئَاتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ(24) .
قد تقدم الكلام في الاعتبار بالفلك جارية في البحر بنعمة الله، أو إهلاكها بانتقامه وأن
طريق ذلك هو أن يفرض الفلك توهمًا مناب جميع المخلوقات عُلُوًّا وسفلاً، وأنها
تجري لأعلى مخلوق؛ إذ الماء الذي تجري عليه ليس من الفلك، بل الأمر مكتنفها
وعامدها وأن وزان خدامها وملاحيها وزان الملائكة في إقامة الملكوت وتحصين
بماسكه بإذن ربهم، ووزان المسافرين فيها الذين لأجلهم أنشأت الفلك وزان
المكلفين المأمورين المنهيين الذين من أجلهم خلق السماوات والأرض وما بينهما،
تعبر بهم من غربتهم إلى قرارهم، ومن غيبتهم إلى حضورهم ومشاهدتهم ومساكها،
ومدبر أمرها في أعلاها يأمرهم بأمره فينفدونه ويسمعون له.
ثم قد يصرف الاعتبار إلى أن تكون آية على قطع المؤمن أيام الدنيا، فالدنيا