هي البحر والسفينة جسمه، وباطن العبد هو المحمول فيها، والعقل صاحب
لياصتها، والقوى خدمتها، وأمر الله وتدبره محيط بها، والإيمان أمنتها، والتوفيق
ريحها، والذكر شراعها، والرسول سائقها بما جاء به من عند ربه، والعمل الطيب
يصلح شأنه، ثم قد يفرق الاعتبار إلى قوله - عز وجل -: (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي
الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (42) . وقد تقدم ذكره.
يقول - عز وجل -: (فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ(25) .
قوله - جلَّ ذكره: (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ(26) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (27)
وَالإِكرَامِ) عم في هذه الآية آلاءه بقوله هذا؛ إذ كل من عليها إنما بقاؤه بين عدمين:
أحدهما: أنه لم يكن ثم كان.
والثاني: أنه سوف لا يكون، وهو فيما بين ذلك يتعاوره الإفناء والإيجاد ما
شاء الله إبقاءه فهو فان، وإن بطن فناؤه حتى يأتيه اليقين.
ثم بوجه آخر من الاعتبار: أنه وإن كان قد كتب عليه الفناء فإنه إلى البقاء
خلق، فإنه بعدما يفنجه يوجده عودًا بعد بدء، ثم يبقيه، ويكون قوله: (ذو الجَلالِ)
رفع؛ أي: وجه ربك ذو الجلال ابتداء وخبر، فتكون القراءة"كل من عليها فان"
ويبقى ذكر الوجه عبارة عن الذات - جلَّ جلالُه - ؛ أي: ويبقى ربك هذا على القراءة الأولى،
وينجر إلى ذلك الإعلام بما هو موجه إليه ومخلص له، والوجه أيضًا صفة له - جلَّ جلالُه -
وتعالى علاؤه وشأنه.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تسألوا بوجه الله إلا الجنة"فمعنى سياق الكلام: قد
كان لكما أيها الثقلان في مشاهدة ما هو عليها، أو جواز الفناء عليه في الجوار
الجاريات في البحر كالجبال بما تحمله ما يحجركم عن التكذيب بآلاء ربكما فبأيها تكذبان.
قوله تعالى: (يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ(29)
هو مدبر الأمر كله، ومقلب الليل والنهار، ومرسل الرسل، ومنزل
الكتب، يخفض ويرفع، ويقدم ويؤخر، ويغني ويفقر، ويعز ويذل، منذ خلق الخليقة