قال الآلوسي ما ملخصه: قوله - تعالى -: أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ.
استئناف لعتاب المؤمنين على الفتور والتكاسل فيما ندبوا إليه، والمعاتب - على ما قاله الزجاج - طائفة منهم، وإلا فإن من المؤمنين من لم يزل خاشعا منذ أن أسلم إلى أن لقى ربه.
والخشوع: التذلل والخضوع، واللام في قوله لِذِكْرِ اللَّهِ للتعليل، والمراد بذكر الله - تعالى -: ما يشمل كل قول أو فعل يؤدى إلى الخوف من الله - تعالى - بحيث يظهر أثر ذلك على الجوارح.
وقيل: المراد به: القرآن الكريم، فيكون قوله - تعالى - بعد ذلك وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ من باب عطف الشيء على نفسه، لاختلاف اللفظين، كما في قوله - تعالى -:
سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى.
والمعنى: لقد آن الأوان أن تخشع قلوب المؤمنين لذكر الله - تعالى - وأن تلين قلوبهم لما أنزله - سبحانه - على نبيه صلى الله عليه وسلم من قرآن، تقشعر منه جلود الذين يخافون ربهم، وترق له مشاعرهم ونفوسهم.
وبعد هذا التحريض للمؤمنين على المسارعة في طاعة الله - تعالى - وخشيته والإكثار من ذكره: نهاهم - سبحانه - عن التشبه بأهل الكتاب، الذين طال عليهم الأمد في الانغماس في شهوات الدنيا فقست قلوبهم فقال - تعالى - وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ.
والمراد بالذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، وبالكتاب: التوراة والإنجيل.
والجملة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى -: تَخْشَعَ والأمد: الغاية من زمان أو مكان. والمراد به هنا: الزمان الطويل.
أي: لقد آن الأوان أن تخشع قلوب الذين آمنوا لذكر الله وما نزل من الحق، وآن الأوان - أيضا - أن لا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبلهم، حيث طال عليهم الوقت وهم منغمسون في الشهوات والملذات، فقست قلوبهم، وصارت لا تتأثر لا بالترغيب ولا بالترهيب، ولا تفرق بين الحرام والحلال. وأصبح كثير منهم خارجين عن الصراط المستقيم.