وامتحن الآمرين بالمعروف بمن يأمرونهم .. وامتحن المأمورين بهم.
ولذلك كان فقراء المسلمين وضعفاؤهم من أتباع الرسل فتنة لأغنياء الكفار ورؤسائهم، امتنعوا عن الإيمان بسببهم مع معرفتهم بصدق الرسل فتنة كما قال سبحانه: {وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) } [الأنعام: 53] .
فالفتنة كير القلوب .. ومحك الإيمان .. وبها يتبين الصادق من الكاذب .. والمؤمن من المنافق .. والطيب من الخبيث.
فمن صبر عليها كانت رحمة في حقه، ونجا بصبره من فتنة أعظم منها، ومن لم يصبر عليها وقع في فتنة أشد منها: {وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) } [العنكبوت: 3] .
فالفتنة لا بدَّ منها في الدنيا؛ ليعلم الله الصادق من الكاذب، وكذلك لا بدَّ منها في الآخرة لكل من سقط في الفتنة في الدنيا كما قال سبحانه عن الكفار والعصاة: {يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (13) ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (14) } [الذاريات: 13، 14] .
والكافر مفتون بالمؤمن في الدنيا، كما أن المؤمن مفتون بالكافر، ولذلك سأل المؤمنون ربهم أن لا يجعلهم فتنة للذين كفروا كما قال سبحانه عن المؤمنين: {رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (4) رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (5) } [الممتحنة: 4، 5] .
وقال أصحاب موسى: {رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) } [يونس: 85، 86] .
أي لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولون: لو كان هؤلاء على الحق ما أصابهم بهذا، ولا تظهرهم علينا فيظنوا أنهم على الحق، فيفتنوا بذلك فيهلكوا، ولا تقتِّر علينا الرزق وتبسطه عليهم فيكون ذلك فتنة لهم.