والمعنى: والله لا يحب أحداً مختالاً وفخوراً ولا تتوهمْ أن موقع (كل) بعد النفي يفيد النفي عن المجموع لا عن كل فرد لأن ذلك ليس مما يقصُده أهل اللسان ، ووقع للشيخ عبد القاهر ومتابعيه توعم فيه ، وقد تقدم عند قوله تعالى: {والله لا يحب كل كفار أثيم} في سورة البقرة (276) ونبهت عليه في تعليقي على دلائل الإِعجاز.
وقرأ الجمهور آتاكم بمدّ بعد الهمزة مُحول عن همزة ثانية هي فاء الكلمة ، أي ما جعله آتياً لكم ، أي حاصلاً عندكم ، فالهمزة الأولى للتعدية إلى مفعول ثان ، والتقدير: بما آتاكموه.
والإِتيان هنا أصله مجاز وغلب استعماله حتى ساوَى الحقيقة ، وعلى هذه القراءة فعائد الموصول محذوف لأنه ضمير متصل منصوب بفعل ، والتقدير: بما آتاكموه ، وفيه إدماج المنة مع الموعظة تذكيراً بأن الخيرات من فضل الله.
وقرأه أبو عمرو وَحدَه بهمزة واحدة على أنه من (أتى) ، إذا حَصل ، فعائد الموصول هو الضمير المستتر المرفوع بـ (آتى) ، وفي هذه القراءة مقابلة {آتاكم} بـ (فاتكم) وهو محسن الطباق ففي كلتا القراءتين محسّن.
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (24)
يجوز أن يكون {الذين يبخلون} ابتداء كلام على الاستئناف لأن الكلام الذي قبله ختم بالتذييل بقوله: {والله لا يحب كل مختال فخور} [الحديد: 23] فيكون {الذين يبخلون} مبتدأ وخبره محذوفاً يدل عليه جواب الشرط وهو {فإن الله هو الغني الحميد} .
والتقدير: فإن الله غني عنهم وحامد للمنفقين.
ويجوز أن يكون متصلاً بما قبله على طريقة التخلص فيكون {الذين يبخلون} بدلاً من {كل مختال فخور} ، أو خبراً لِمبتدأ محذوف هو ضمير {كل مختال فخور} .