(كِتَابُ النِّكَاحِ)
وَهُوَ فِي اللُّغَةِ التَّدَاخُلُ تَقُولُ أنكحت الأَرْض الْبذر وَنكَحَتِ الْحَصَاةُ خُفَّ الْبَعِيرِ وَالْوَطْءُ تَدَاخُلٌ فَسُمِّيَ نِكَاحًا وَيُطْلَقُ عَلَى الْعَقْدِ مَجَازًا مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْمُسَبَّبِ عَلَى السَّبَبِ وَيُقَالُ كُلُّ نِكَاحٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فَالْمُرَادُ بِهِ الْعَقْدُ إِلَّا قَوْله تَعَالَى {حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} الْبَقَرَة 330 وَيُطْلَقُ عَلَى الصَّدَاقِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ كَالْعَقْدِ نَحْوَ قَوْله تَعَالَى {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا} النُّور 32 أَيْ صَدَاقًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْإِضْمَارِ أَيْ سَبَبَ نِكَاحٍ لَكِنَّ الْمَجَازَ أَوْلَى مِنَ الْإِضْمَارِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ.
(فَرْعٌ)
النِّكَاحُ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَلَى أَحْوَالِ النَّاكِحِينَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ وَتَركه لنوافل الْعِبَادَة عندنَا وَعَن ش أَفْضَلُ لِمَنْ لَمْ تَمِلْ إِلَيْهِ نَفْسُهُ وَعِنْدَ ح وَابْنِ حَنْبَلٍ هُوَ أَفْضَلُ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِهِ فَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ تَقْدِيمُهُ وَلِأَنَّهُ يُوجِبُ إِعْفَافَ الزَّوْجَيْنِ وَوُجُودَ مَنْ يُوَحِّدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيُكَاثِرُ بِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهُوَ مُتَعَدٍّ لِهَذِهِ الْمَصَالِحِ الْعَظِيمَةِ وَالْمُتَعَدِّي أَفْضَلُ مِنَ الْقَاصِرِ وَلِتَقْدِيمِهِ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى الصَّوْمِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ الْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ ذَلِكَ الْخِلَافَ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ لِضَعْفِ مَدْرَكِهِ وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ أَصْلَ النِّكَاحِ شَهْوَةُ النَّفْسِ وَشَهْوَةُ النَّفْسِ مُقْتَطَعٌ عَنِ الرَّبِّ تَعَالَى وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ لِمَا ذَكَرُوهُ وَالنَّوَافِلُ قُرُبَاتٌ فِي أَنْفُسِهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالرَّبِّ تَعَالَى بِمَعْزِلٍ عَنِ النَّفْسِ وَالْمَقَاصِدُ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْوَسَائِلِ وَعَنِ الثَّالِثِ إِنَّ تَقْدِيمَ الصَّوْمِ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ فِي حَقِّ الشَّبَابِ الَّذِينَ شَأْنُهُمْ فَرْطُ الْمَيْلِ وَخَشْيَةُ الْفَسَادِ والنزاع إِنَّمَا هُوَ فِي غَيرهم.
(قَاعِدَةٌ)
الْأَحْكَامُ كُلُّهَا قِسْمَانِ مَقَاصِدُ وَهِيَ الْمُتَضَمِّنَةُ للْحكم فِي أَنْفُسِهَا وَوَسَائِلُ تَابِعَةٌ لِلْمَقَاصِدِ فِي أَحْكَامِهَا مِنَ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ وَغَيْرِهِمَا وَهِيَ الْمُفْضِيَةُ إِلَى تِلْكَ الْمَقَاصِدِ خَالِيَةٌ عَنِ الْحُكْمِ فِي أَنْفُسِهَا مِنْ حَيْثُ هِيَ وَسَائِلُ وَهِيَ أَخْفَضُ رُتْبَةً مِنَ الْمَقَاصِدِ فَالْجُمُعَةُ وَاجِبَةٌ مَقْصِدًا وَالسَّعْيُ وَاجِبٌ وَسِيلَةً وَالزِّنَا مُحَرَّمٌ مَقْصِدًا وَالْخَلْوَةُ مُحَرَّمَةٌ وَسِيلَةً وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحْكَامِ وَالْوَسَائِلُ أَقْسَامٌ مِنْهَا مَا يَبْعُدُ جِدًّا فَلَا يُعْطَى حُكْمَ الْمَقْصِدِ كَزِرَاعَةِ الْعِنَبِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْخَمْرِ وَمَا قَرُبَ جِدًّا فَيُعْطَى حُكْمَ الْمَقْصِدِ كَعَصْرِ الْخَمْرِ وَمَا هُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ فَيَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ كاقتناء الْخمر للتخليل وَالْمحرم مقصدا هَا هُنَا اخْتِلَاطُ الْأَنْسَابِ بِاجْتِمَاعِ الْمَائَيْنِ فِي الرَّحِمِ مِنَ الزَّوْجِ السَّابِقِ وَاللَّاحِقِ وَالْعَقْدُ حَرَامٌ تَحْرِيمَ الْوَسَائِلِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى الْوَطْءِ وَالتَّصْرِيحُ كَذَلِكَ لِإِفْضَائِهِ لِلْعَقْدِ فَهُوَ وَسِيلَةُ الْوَسِيلَةِ وَلَمَّا بَعُدَ التَّعْرِيضُ عَنِ الْمَقْصِدِ لَمْ يَحْرُمْ وَالْإِكْنَانُ أَبْعَدُ مِنْهُ.