فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 137

(يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(6)

(تَنْبِيهٌ)

قُدِّمَتِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ عَلَى الْوَاجِبَاتِ وَهُمَا مِنَ الْمَسْنُونَاتِ لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا لِيَطَّلِعَ بِهِمَا عَلَى حَالِ الْمَاءِ فِي رِيحِهِ وَطَعْمِهِ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ بِطَهُورٍ اسْتَعْمَلَ غَيْرَهُ وَتَرَكَهُ لِمَنَافِعِهِ لِئَلَّا يُفْسِدَهُ فَيَضِيعَ الْمَاءُ وَيَكْثُرَ التَّعَبُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ. الثَّانِي أَنَّهُمَا أَكْثَرُ أَقْذَارًا وَأَوْضَارًا مِنْ غَيْرِهِمَا فَكَانَتِ الْعِنَايَةُ بِتَقْدِيمِهِمَا أَوْلَى.

(فصل فِي التَّيَمُّمُ)

وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ لُطْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا وَإِحْسَانًا إِلَيْهَا وَلِيَجْمَعَ لَهَا فِي عِبَادَتِهَا بَيْنَ التُّرَابِ الَّذِي هُوَ مَبْدَأُ إِيجَادِهَا وَالْمَاءِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ اسْتِمْرَارِ حَيَاتِهَا إِشْعَارًا بِأَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ سَبَبُ الْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ وَالسَّعَادَةِ السَّرْمَدِيَّةِ جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَهْلِهَا مِنْ غَيْرِ مِحْنَةٍ وَهُوَ فِي اللُّغَةِ مِنَ الْأَمِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْقَصْدُ يُقَالُ أَمَّهُ وَأَمَمَهُ وَتَأَمَّمَهُ إِذَا قَصَدَهُ وَأَمَّهُ أَيْضًا شَجَّهُ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ وَمِنَ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى {وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون} أَيْ لَا تَقْصِدُوهُ ثُمَّ نُقِلَ فِي الشَّرْعِ لِلْفِعْلِ الْمَخْصُوصِ وَأَوْجَبَهُ لِتَحْصِيلِ مَصَالِحِ أَوْقَاتِ الصَّلَوَاتِ قبل خواتها وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأُمِرَ عَادِمُ الْمَاءِ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ حَتَّى يَجِدَ الْمَاءَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اهْتِمَامَ الشَّرْعِ بِمَصَالِحِ الْأَوْقَاتِ أَعْظَمُ مِنَ اهْتِمَامِهِ بِمَصَالِحِ الطَّهَارَةِ.

فَإِنْ قُلْتَ فَأَيُّ مَصْلَحَةٍ فِي إِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا دُونَ مَا قَبْلَهُ وَبعده مَعَ جَزْمِ الْعَقْلِ بِاسْتِوَاءِ أَفْرَادِ الْأَزْمَانِ؟

قُلْتُ اعْتَمَدَ الْعُلَمَاءُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّا اسْتَقْرَأْنَا عَادَةَ اللَّهِ تَعَالَى فِي شَرْعِهِ فَوَجَدْنَاهُ جَالِبًا لِلْمَصَالِحِ وَدَارِئًا لِلْمَفَاسِدِ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا إِذَا سَمِعْتَ نِدَاءَ اللَّهِ تَعَالَى فَارْفَعْ رَأْسَكَ فَتَجِدُهُ إِمَّا يَدْعُوكَ لِخَيْرٍ أَوْ لِيَصْرِفَكَ عَنْ شَرٍّ فَمِنْ ذَلِكَ إِيجَابُ الزَّكَوَاتِ وَالنَّفَقَاتِ لِسَدِّ الْخَلَّاتِ وأروش الْجِنَايَات جبرا للملتفات وَتَحْرِيمُ الْقَتْلِ وَالزِّنَا وَالْمُسْكِرِ وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ صَوْنًا لِلنُّفُوسِ وَالْأَنْسَابِ وَالْعُقُولِ وَالْأَمْوَالِ وَإِعْرَاضًا عَنِ الْمُفْسِدَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّاتِ وَالْأُخْرَوِيَّاتِ وَنَحْنُ نَعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ الْمَلِكَ إِذَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِ إِكْرَامُ الْعُلَمَاءِ وَإِهَانَةُ الْجُهَلَاءِ ثُمَّ رَأَيْنَاهُ خَصَّصَ شَخْصًا بِالْإِكْرَامِ وَنَحْنُ لَا نَعْرِفُ حَالَهُ فَإِنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّنَا أَنَّهُ عَالِمٌ عَلَى جَرَيَانِ الْعَادَةِ وَكَذَلِكَ مَا تُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ بِالتَّعَبُّدِ مَعْنَاهُ أَنَا لَا نَطَّلِعُ عَلَى حِكْمَتِهِ وَإِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ لَهُ حِكْمَةً وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا حِكْمَةَ لَهُ وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَمَرَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ لِتَرْكِ السُّنَنِ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ حِينَئِذٍ تُحَصِّلُ مَصْلَحَةَ الْوَقْتِ وَالسُّنَّةِ وَمَجْمُوعُهُمَا مُهِمٌّ بِخِلَافِ خَارِجِ الْوَقْتِ لِذَهَابِ مَصْلَحَةِ الْوَقْتِ وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الِاهْتِمَامِ بِمَجْمُوعِ مَصْلَحَتَيْنِ الِاهْتِمَامُ بِإِحْدَاهُمَا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت