(الْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي الْقُدُومِ عَلَى ضَرِيحِهِ عَلَيْهِ السَّلَام)
وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُقَالَ زُرْنَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَنْ يُسَمَّى زِيَارَةً قَالَ صَاحِبُ تَهْذِيبِ الطَّالِبِ لِأَن شَأْن الزائر الْفضل والتفضيل على المزور وَهُوَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَاحِبُ الْفَضْلِ وَالْمِنَّةِ وَكَذَلِكَ أَنْ يُقَالَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وَقِيلَ لِأَنَّ الزِّيَارَةَ تُشْعِرُ بِالْإِبَاحَةِ وَزِيَارَةُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ السُّنَّةِ الْمُتَأَكِّدَةِ وَلَوِ اسْتُؤْجِرَ رَجُلٌ عَلَى الْحَجِّ وَالزِّيَارَةِ فَتَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ الزِّيَارَةُ قَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ يَرُدُّ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مَسَافَةِ الزِّيَارَةِ وَقِيلَ يَرْجِعُ ثَانِيَةً حَتَّى يَزُورَ وَقَالَ سَنَدٌ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ فَرَغَ مَنْ حَجَّهُ إِتْيَانُ مَسْجده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيصَلي فِيهِ وَيسلم على النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِي أَبِي دَاوُدَ قَالَ
-صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَا مِنْ أَحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ رُوحِي حَتَّى أَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَام ويروى عَنهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ مَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِي وَمَنْ زَارَ قَبْرِي وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَيُرْوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ مَنْ زَارَنِي بَعْدَ وَفَاتِي فَكَأَنَّمَا زَارَنِي فِي حَيَاتِي وَحَكَى الْعُتْبِيُّ أَنه كَانَ جَالِسًا عِنْدَ قَبْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَجَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤك فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا} النِّسَاء 64 وَقَدْ جِئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِنْ ذَنْبِي مُسْتَشْفِعًا بِكَ إِلَى رَبِّي ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ
(يَا خَيْرَ مَنْ دُفِنَتْ بِالْقَاعِ أَعْظُمُهُ ... فَطَابَ مِنْ طِيبِهِنَّ الْقَاعُ وَالْأَكَمُ)
(نَفْسِي الْفِدَاءُ لِقَبْرٍ أَنْتَ سَاكِنُهُ ... فِيهِ الْعَفَافُ وَفِيهِ الْجُودُ وَالْكَرَمُ)
ثُمَّ انْصَرَفَ الْأَعْرَابِيُّ فَحَمَلْتِنِي عَيْنِي فَرَأَيْتُ النَّبِي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النَّوْمِ فَقَالَ لِي يَا عُتْبِيُّ الْحَقِ الْأَعْرَابِيَّ فَبَشِّرْهُ أَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ.