(تَمْهِيدٌ)
التَّدَاخُلُ فِي الشَّرْعِ يَقَعُ فِي الطَّهَارَةِ مَعَ الْغُسْلِ وَفِي الْعِبَادَاتِ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ مَعَ الْفَرْضِ وَصَوْمِ الِاعْتِكَافِ مَعَ رَمَضَانَ وَالْعُمْرَةِ مَعَ الْحَجِّ وَفِي الْحُدُودِ الْمُمَاثِلَةِ فِي الْعَدَدِ عَلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي وَفِي الْأَمْوَالِ كَدُخُولِ دِيَةِ الْأَطْرَافِ فِي دِيَةِ النَّفْسِ وَالْأَخِيرِ فِي الْأَوَّلِ كَالْفِدْيَةِ فِي الْحَجِّ إِذَا اتَّحد السَّبَب والعارفان فِي الْوسط كَالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ إِذْ استمر واتحدت الشُّبْهَةُ وَكَانَ حَالُ الْمَرْأَةِ فِي الْوَسَطِ أَفْضَلَ مِنَ الْمَبْدَأِ وَالْمُنْتَهَى فَيَجِبُ لَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ بِاعْتِبَارِ الْوَسَطِ وَلَكِنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ الْحَالَةِ الْأُولَى مُطْلَقًا وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِتَنَقُّلِ الصَّدَاقِ بِتَنَقُّلِ الْحَالَاتِ وَالْقَلِيلُ فِي الْكَثِيرِ مِثْلُ الطَّرَفِ مَعَ النَّفْسِ وَالْكَثِيرُ فِي الْقَلِيلِ كَالْأَطْرَافِ إِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ السِّرَايَةِ إِلَى النَّفْسِ وَاخْتُلِفَ فِي تَدَاخُلِ الْكَفَّارَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(فصل)
وَفِي مُسْلِمٍ"مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ بِسِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ كَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ"
وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ صِيَامَهَا فِي غَيْرِهِ خَوْفًا مِنْ إِلْحَاقِهَا بِرَمَضَانَ عِنْدَ الْجُهَّالِ وَإِنَّمَا عَيَّنَهَا الشَّرْعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلْخِفَّةِ عَلَى الْمُكَلَّفِ بِسَبَبِ قُرْبِهِ مِنَ الصَّوْمِ وَإِلَّا فَالْمَقْصُودُ حَاصِلٌ فِي غَيْرِهِ فَيُشْرَعُ التَّأْخِيرُ جَمْعًا بَيْنَ مَصْلَحَتَيْنِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ أَنَّ الْحَسَنَةَ بِعَشَرَةٍ فَالشَّهْرُ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ وَالسِّتَّةُ بِسِتِّينَ كَمَالِ السَّنَةِ فَإِذَا تَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي السِّنِينَ فكأنما صَامَ الدَّهْرَ.
(سُؤَالٌ)
يُشْتَرَطُ فِي التَّشْبِيهِ الْمُسَاوَاةُ أَوِ الْمُقَارَبَةُ وَههنا لَيْسَ كَذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الصَّوْمَ عُشْرُ صَوْمِ الدَّهْرِ وَالْأَجْرُ عَلَى قَدْرِ الْعَمَل وَلَا مقاربة بَين عشر الشَّيْء كُله جَوَابُهُ مَعْنَاهُ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ أَنْ لَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ شَهْرَنَا بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ لِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا وَالسِّتَّةُ بِشَهْرَيْنِ لِمَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَقَدْ حَصَلَتِ الْمُسَاوَاةُ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ
(تَنْبِيهٌ)
هَذَا الْأَجْرُ مُخْتَلَفُ الْأَجْرِ فَخَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ أَعْظَمُ أَجْرًا لِكَوْنِهِ مِنْ بَابِ الْوَاجِبِ وَسُدُسُهُ ثَوَابُ النَّفْلِ
(فَائِدَةٌ)
إِنَّمَا قَالَ بِسِتٍّ بِالتَّذْكِيرِ وَلَمْ يَقُلْ بِسِتَّةٍ رَعْيًا لِلْأَصْلِ فَوَجَبَ تَأْنِيثُ الْمُذَكَّرِ فِي الْعَدَدِ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُغَلِّبُ اللَّيَالِيَ عَلَى الْأَيَّامِ لِسَبْقِهَا فَتَقُولُ لِعَشْرٍ مَضَيْنَ مِنَ الشَّهْرِ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فَكَانَ يَصُومُهَا أَوَّلَهُ وَعَاشِرَهُ وَالْعِشْرِينَ وَهِيَ الْأَيَّامُ الْبِيضُ وَاخْتَارَ أَبُو الْحَسَنِ تَعْجِيلَهَا أَوَّلَ الشَّهْرِ وَهِيَ صِيَامُ الدَّهْرِ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ بِثَلَاثِينَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَائِدَةٌ)
قَالَ ابْنُ الْجَوَالِيقِيِّ فِي إِصْلَاحِ مَا تَغْلَطُ فِيهِ الْعَامَّةُ تَقُولُ الْأَيَّامُ الْبِيضُ فَيَجْعَلُونَ الْبِيضَ وَصْفًا لِلْأَيَّامِ وَالصَّوَابُ أَيَّامُ الْبِيضِ أَيْ أَيَّامُ اللَّيَالِي الْبِيضِ بِحَذْفِ الْمَوْصُوفِ وَإِقَامَةِ الْوَصْفِ مَقَامَهُ وَإِلَّا فَالْأَيَّامُ كُلُّهَا بِيضٌ وَاللَّيَالِي الْبِيضُ لَيْلَةُ الثَّالِثَ عَشَرَ وَالرَّابِعَ عَشَرَ وَالْخَامِسَ عَشَرَ لِأَنَّهَا بَيْضٌ بِالْقَمَرِ وَأَسْمَاءُ لَيَالِي الشَّهْرِ عَشَرَةٌ لِكُلِّ ثَلَاثٍ اسْمٌ الثَّلَاثُ الْأُوَلُ غُرَرٌ لِأَنَّ غُرَّةَ كُلِّ شَيْءٍ أَوَّلُهُ وَالثَّانِيَةُ نُفَلٌ مِثْلُ زُحَلَ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ عَلَى الْغُرَرِ وَالنَّفْلُ الزِّيَادَةُ وَثَلَاثٌ تُسَعٌ لِأَنَّ آخِرَهَا تَاسِعٌ وَثَلَاثٌ عُشَرٌ لِأَنَّ أَوَّلَهَا عَاشِرٌ وَوَزْنُهَا مِثْلُ زُحَلَ أَيْضًا وَثَلَاثٌ تُبَعٌ وَثَلَاثٌ دُرَعٌ كَزُحَلَ أَيْضًا لِاسْوِدَادِ أَوَائِلِهَا وَابْيِضَاضِ سَائِرِهَا وَثَلَاثٌ ظُلَمٌ كَزُحَلَ أَيْضًا لِأَنَّ كُلًّا مِنْهَا مُظْلِمٌ وَثَلَاثٌ حَنَادِسُ لِسَوَادِهَا ... لِأَنَّهَا بَقَايَا وَثَلَاثٌ مِحَاقٌ لِامِّحَاقِ الْقَمَرِ أَوِ الشَّمْسِ وَكَرِهَ مَالِكٌ صَوْمَ الدَّهْرِ لِئَلَّا يُصَادِفَ نَذْرًا أَوْ غَيْرَهُ وَاسْتَحَبَّهُ أَبُو الطَّاهِرِ.