(قَاعِدَةٌ)
الْأَفْعَالُ قِسْمَانِ مِنْهَا مَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَصْلَحَةٍ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ فَاعِلِهِ كَرَدِّ الْوَدَائِعِ وَقَضَاءِ الدُّيُونِ وَنَحْوَهَا فَتَصِحُّ فِيهَا النِّيَابَةُ إِجْمَاعًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ انْتِفَاعُ أَهْلِهَا بِهَا وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِنَفْسِ الدَّفْعِ وَلِذَلِكَ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهَا النِّيَّاتُ وَمِنْهَا مَا لَا يَتَضَمَّنُ مَصْلَحَةً فِي نَفْسِهِ بَلْ بِالنَّظَرِ إِلَى فَاعِلِهِ كَالصَّلَاةِ فَإِنَّ مَصْلَحَتَهَا الْخُشُوعُ وَالْخُضُوعُ وَإِجْلَالُ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَتَعْظِيمُهُ وَذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ فِيهَا مِنْ جِهَةِ فَاعِلِيهَا فَإِذَا فَعَلَهَا غَيْرُ الْإِنْسَانِ فَاتَتِ الْمَصْلَحَةُ الَّتِي طَلَبَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُ فَلَا تُوصَفُ بِكَوْنِهَا حِينَئِذٍ مَشْرُوعَةً فِي حَقِّهِ فَلَا يَجُوزُ فِيهَا النِّيَابَةُ إِجْمَاعًا وَمَصَالِحُ الْحَجِّ تَأْدِيبُ النَّفْسِ بِمُفَارَقَةِ الْأَوْطَانِ وَتَهْذِيبِهَا بِالْخُرُوجِ عَنِ الْمُعْتَادِ مِنَ الْمَخِيطِ وَغَيْرِهِ لِيَذَّكَّرَ الْمَعَادَ وَالِانْدِرَاجَ فِي الْأَكْفَانِ وَتَعْظِيمَ شَعَائِرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تِلْكَ الْبِقَاعِ وَإِظْهَارَ الِانْقِيَادِ مِنَ الْعَبْدِ لِمَا لَمْ يَعْلَمْ حَقِيقَتَهُ كَرَمْيِ الْجِمَارِ وَهَذِهِ مَصَالِحٌ لَا تحصل إِلَّا للمباشر كَالصَّلَاةِ فَيَظْهَرُ رُجْحَانُ الْمَذْهَبِ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ وَمَنْ حَاوَلَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالصَّلَاةِ لَاحَظَ مَا فِيهِ مِنَ الْقُرْبَةِ الْمَالِيَّةِ غَالِبًا فِي الْإِنْفَاقِ فِي السَّفَرِ فَأَشْبَهَ الْعِتْقَ وَالصَّدَقَةَ عَنِ الْغَيْرِ.
(تَمْهِيدٌ)
قَالَ صَاحِبُ النُّكَتِ رَفْضُ النِّيَّةِ فِي الْحَج وَالْوُضُوء لَا يضرّهُ بِخِلَاف الصَّوْم وَالصَّلَاة لِأَنَّ النِّيَّةَ مُرَادَةٌ لِلتَّمْيِيزِ فِي الْعِبَادَاتِ عَنِ الْعَادَاتِ أَوْ لِتَمْيِيزِ مَرَاتِبِ الْعِبَادَاتِ وَالْحَجُّ مُتَمَيِّزٌ بِمَوَاضِعِهِ الْمَخْصُوصَةِ وَالْوُضُوءُ بِأَعْضَائِهِ الْمُعَيَّنَةِ بِخِلَافِ الْآخَرِينَ فَكَانَ احْتِيَاجُهُمَا إِلَى النِّيَّةِ أَقَلَّ فَكَانَ تَأْثِيرُ الرَّفْضِ فِيهِمَا أَبْعَدَ.