الصفحة 61 من 121

ومعنى تقرير هذه القاعدة من الناحية النظرية .. أن تعود حياة البشر بجملتها إلى الله، لا يقضون هم في أي شأن من شؤونها، ولا في أي جانب من جوانبها، من عند أنفسهم، بل لابد لهم أن يرجعوا إلى حكم الله فيها ليتبعوه .. وهو رسول الله. وهذا يتمثل في شطر الشهادة الثاني من ركن الإسلام الأول:"شهادة أن محمد رسول الله".

هذه هي القاعدة النظرية التي يتمثل فيها الإسلام ويقوم عليها .. وهي تنشئ منهجًا كاملًا للحياة حين تطبق في شؤون الحياة كلها، يواجه به المسلم كل فرع من فروع الحياة الفردية والجماعية في داخل دار الإسلام وخارجها، في علاقاته بالمجتمع المسلم وفي علاقات المجتمع المسلم بالمجتمعات الأخرى. [1]

ولكن الإسلام- كما قلنا- لم يكن يملك أن يتمثل في (نظرية) مجردة، يعتنقها من يعتنقها اعتقادًا ويزاولها عبادة، ثم يبقى معتنقوها على هذا النحو أفرادًا ضمن الكيان العضوي للتجمع الحركي الجاهلي القائم فعلًا. فان وجودهم على هذا النحو- مهما كثر عددهم- لا يمكن أن يؤدي إلى"وجود فعلي"للإسلام، لان الأفراد (المسلمين نظريًا) الداخلين في التركيب العضوي للمجتمع الجاهلي سيظلون مضطرون حتمًا للاستجابة لمطالب هذا المجتمع العضوي .. سيتحركون- طوعًا أو كرهًا، بوعي أو بغير وعي- لقضاء الحاجات الأساسية لحياة هذا المجتمع الضرورية لوجوده، وسيدافعون عن كيانه، وسيدفعون العوامل التي تهدد وجوده وكيانه، لان الكائن العضوي يقوم بهذه الوظائف بكل أعضائه سواء أرادوا أم لم يريدوا .. أي أن الأفراد (المسلمين نظريًا) سيظلون يقومون (فعلا) بتقوية المجتمع الجاهلي الذي يعملون (نظريًا) لإزالته، وسيظلون خلايا حية في كيانه تمده بعناصر البقاء والامتداد! وسيعطونه كفاياتهم وخبراتهم ونشاطهم ليحيا بها ويقوى، وذلك بدلًا من أن تكون حركاتهم في اتجاه تقويض هذا المجتمع الجاهلي لإقامة المجتمع الإسلامي!

ومن ثم لم يكن بد أن تتمثل القاعدة النظرية للإسلام (أي العقيدة) في تجمع عضوي حركي منذ اللحظة الأولى .. لم يكن بد أن ينشأ تجمع عضوي حركي آخر غير التجمع الجاهلي، منفصل ومستقل عن التجمع العضوي الحركي الجاهلي الذي يستهدف الإسلام إلغاءه، وان يكون محور التجمع الجديد هو القيادة الجديدة المتمثلة في رسول الله- صلى الله عيه وسلم- ومن بعده في كل قيادة إسلامية تستهدف رد الناس إلى ألوهية الله وحده وربوبيته وقوامته وحاكميته وسلطانه وشريعته- وان يخلع كل من يشهد أن لا اله إلا الله وان محمدًا رسول الله ولاءه من التجمع الحركي الجاهلي - أي التجمع الذي جاء منه- ومن قيادة ذلك

(1) - راجع فصل"لا إله إلا الله منهج حياة".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت