التجمع- في أية صورة كانت، سواء كانت في صورة قيادة دينية من الكهنة والسدنة والسحرة والعرافين ومن إليهم، او في صورة قيادة سياسة واجتماعية واقتصادية كالتي كانت لقريش - وان يحصر ولاءه في التجمع العضوي الحركي الإسلامي الجديد، وفي قيادته المسلمة.
ولم يكن بد أن يتحقق هذا منذ اللحظة الأولى لدخول المسلم في الاسلام، ولنطقه بشهادة أن لا اله إلا الله وان محمد رسول الله، لان وجود المجتمع المسلم لا يتحقق إلا بهذا. لا يتحقق بمجرد قيام القاعدة النظرية في قلوب أفراد مهما تبلغ كثرتهم، لا يتمثلون في تجمع عضوي متناسق متعاون، له وجود ذاتي مستقل، يعمل أعضاؤه عملًا عضويًا- كأعضاء الكائن الحي- على تأصيل وجوده وتعميقه وتوسيعه، وفي الدفاع عن كيانه ضد العوامل التي تهاجم وجوده وكيانه، ويعملون هذا تحت قيادة مستقلة عن قيادة المجتمع الجاهلي، تنظم حركتهم وتنسقها، وتوجههم لتأصيل وتعميق وتوسيع وجودهم الاسلامي، ولمكافحة ومقومة وإزالة الوجود الوجود الآخر الجاهلي.
وهكذا وجد الإسلام .. هكذا وجد متمثلا في قاعدة نظرية مجملة -ولكنها شاملة- يقوم عليها في نفس اللحظة تجمع عضوي حركي، مستقل منفصل عن المجتمع الجاهلي ومواجهة لهذا المجتمع .. ولم يوجد قط في صورة (نظرية) مجردة عن هذا الوجود الفعلي .. وهكذا يمكن أن يوجد الإسلام مرة اخرى، ولا سبيل لإعادة إنشائه في المجتمع الجاهلي في أي زمان وفي أي مكان بغير الفقه الضروري لطبيعة نشأته العضوية الحركية. [1] .
ويقول الشيخ عبد المجيد الشاذلي- ثبته الله وبارك في عمره: (فشرعية الكيانات في الإسلام لا تتحقق إلا من خلال الجماعة التي هى الالتزام بالكتاب والسنة -حبل الله- والاجتماع عليهما، والالتزام الفردي دون الاجتماع عليهما ككيان لا يحقق لمجموع الأفراد الذين يفتقدون هذا الاجتماع معنى الجماعة ولا صفة الشرعية ولا الهوية، كما أن الاجتماع على غير الكتاب والسنة لا يحقق للداخلين فيه معنى الجماعة ولا صفة الشرعية ولا صفة الهوية الإسلامية)
ومن هنا يتبين أن الالتزام الفردي بالإسلام دون الاجتماع عليه يساوى الاجتماع على غير الكتاب والسنة في عدم تحقيق معنى الجماعة ولا صفة الشرعية ولا الهوية.
فعدم وجود إطار جماعي يضم الأفراد يؤدى إلى ضياع الأفراد أنفسهم لا الحفاظ عليهم، فضلا عن ضياع الحركة التي تؤدى إلى قيام الأمة المسلمة.
(1) معالم في الطريق فصل نشأة المجتمع المسلم ص 69 - 73