تحدث الصدمة الحضارية نتيجة للبون الشاسع بين الحضارات بعضها والبعض الآخر، فعند الصدام بين الحضارة الغربية والحضارة الإسلامية في وقت تخلت فيه الأمة عن كثير من ثوابتها وانحرفت وأصبحت في حالة يرثى لها من الضعف والانحطاط الاقتصادي والعسكري إلى غير ذلك من مظاهر الانحلال والضعف التي تصيب المجتمعات بصفة عامة.
كان مجيء الغرب بأدواته الحديثة وما كان عليه من تقدم صناعي وتكنولوجي، كل هذا أدى إلى هزيمة المجتمعات الإسلامية واحتلالها، وقد صحب هذا الأمر محاولات على أيدي بعض العملاء المنهزمين نفسيا أمام حضارة الغرب أن يحثوا الناس على التخلي عن الإسلام ويسلكوا -كما زعموا- سبيل التقدم والرفاهية.
المهم أن الصدمة الحضارية تحدث نتيجة للبون الشاسع بين الحضارات بعضها والبعض الآخر، ومن ثم يقوم الصراع وتقوم الحضارة الأقوى باحتواء الحضارات الأخرى، وقد تذوب الحضارات الأخرى فيها أو تحتفظ بوجودها على الرغم مما يحدث بها من تغيرات تفقدها كثيرا من صفاتها.
ومن هنا كانت المباينة بين الجاهليات المختلفة والإسلام، فالإسلام في ذاته وحقيقته يتمثل فيه الحق الرباني الذي تمثل على الأرض من خلال كتاب تمثل في صورة رسول وفى صورة رسالة وفى صورة حضارة، رسول ورسالة ومجتمع وحضارة يتمثل من خلالها المنهج الرباني.
ومن هنا كانت المباينة بين هذه الحضارة وبين الحضارات الأخرى الموجودة على الأرض، فكلها حضارات إنسانية أي من صنع الإنسان أو قل جاهليات مختلفة صنعها الإنسان، أما الإسلام فهو الحضارة الربانية أو الرسالة أو الحق الرباني، فهو حضارة مختلفة عن باقي الحضارات الأخرى لا تلتقي معها في أول الطريق ولا في وسطه ولا في آخره، حضارة ليست من صنع البشر، إنما هي تعبير عن إرادة الله وكلمته، فهي نور الله في الأرض، وهى حكمه وعلمه، بها يتحقق قدر الله في الأرض، ويتحقق حكمه كذلك، فطريقها ومنهجها رباني، فيها تميز واستقلالية في البداية وتميز واستقلالية في النهاية، ففي البداية حكمه وفى النهاية حكمه فالإنسان بأمره بدأ وإليه يعود (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ(6) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (7 ) ) الانشقاق. ولذلك يجب على المسلم أن يتوجه في كل حركة من حركاته، وكل سكنة من سكناته إلى ربه الذي خلقه (أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ)