وأقول:
إن الغاية من تقرير أهمية الكلمة في هذا المقام ليست الاقتصار عليها أو تحجيم الصراع بمجرد التمتمة بها أبدًا، بل الغاية من الكلمة أن تكون عنوانًا وهويةً وانطلاقًا لكل ما سواها من تضحياتٍ عملية في سياق معركة العقيدة التي نعيشها اليوم.
أخبي الحبيب:
إن الغاية من إعلان الكلمة أن تكون الفيصل بين جند الحق وجند الباطل، بين أسرى الحق وأسرى الباطل، بين قتلى الحق وقتلى الباطل.
إن الكلمة هي عنوان الإسلام، بل هي عنوان الإيمان، تأمل معي كيف كان أبو طالب مقرًا بأفضلية دين محمد صلى الله عليه وسلم ولكن لم يعلن بكلمة التوحيد، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طالب على فراش موته: أَيْ عَمِّ قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ) [1] ولكنه لم يقلها، فمات حين مات وهو كافرٌ، أرأيت إلى الفيصل بين موتٍ على الحق وموتٍ على الباطل، إنها الكلمة.
والكلمة هي عصمة الدماء والأموال والأبضاع، تأمل معي حديث رسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ) أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ) [2] [فبكلمة التوحيد تعصم الدماء وتحترم الأموال.
والكلمة هي ميراث النبوة، فالأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا هذه الأمانة العظيمة التي ثقلت على السموات والأرض والجبال، تأمل معي قول الله تعالى عن أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (27) وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (28) (الزخرف)
فهذا هو ميراث النبوة وهذا ميراث أبي الأنبياء؛ إنها الكلمة. والكلمة هي عنوان العيش الطيب، وهل يطيب عيشٌ في هذه الدنيا إلا في ظل لا إله إلا الله، وقد قال تعالى في هذه الكلمة: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي
(1) - (صحيح البخاري -(ج 12 / ص 268)
(2) - (صحيح البخاري - (ج 1 / ص 42