أى إلا أن كذب بها الأولون فأهلكناهم، وأنت استأنيت بقومك فأجبناك إلى ذلك.
ولهذا لما آتاهم بعد ذلك بالخوارق كانشقاق القمر، وتسليم الشجر وعجزوا عن معارضة القرآن، ولم يؤمنوا جاءهم العذاب، فاستؤصلوا بالسيف يوم بدر وغيره.
الوجه الثالث: أنهم سألوه ما يسقط فائدة التكليف بالإيمان بالغيب وبيانه أنهم سألوه إحياء الموتى. فلو بعثهم لهم لأخبروهم بصحة ما وعدهم، وأوعدهم من ثواب وعقاب، وجنة ونار، فكان يحصل لهم بذلك العلم الضروري بما هناك فيصير ابمانهم كإيمان فرعون، لما عاين الملك ليقبض روحه.
قال: (آمنتُ) (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا) .
والمقصود: إنما هو الإيمان الاختياري، لا الضروري. وما يفضي إلى سقوط فائدة التكليف لا تجوز الإجابة إليه. وكذلك إنزال الملك عليهم يسقط فائدة التكليف.
الرابع: المعارضة بما في الفصل الحادي والعشرين من إنجيل متى: أنهم سألوا المسيح آية، فلم يأت بها. والجواب مشترك.
ومما يدل على جهلهم وعنادهم في سؤالهم له: أنهم أنكروا عليه فقره، وابتغاءه الرزق بالأسواق.
وقالوا: قل لربك يجعل لك خياما وقصورا وكنوزا من ذهب يغنيك عن ذلك.
وهل في ابتغاء الرزق عيب عند أحد من العقلاء؟ وقد كان الأنبياء يبتغونه برعاية الغنم وغيرها وهل علم من حال أحد من الأنبياء أن اللّه جعل له خياما وقصورا وكنوزًا من ذهب. إنما فعل ذلك بالفراعنة ليطغيهم لقارون وفرعون وهامان ونظرائهم. ولذلك عاب الله عليهم قولهم حيث قال: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا) الآيات إلي قوله: (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا) ثم قال: (تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا(10) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ).
وأما قولهم: أما علم ربك أنا سنسألك عما سألناك، فيخبرك بما تراجعنا به، وبما يفعل بنا إذا لم نقبل منك؟
فإنا نقول تحذيره الذي راجعهم به، هو الذي أمر به. إذ كان لا ينطق عن الهوى. (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى) وقد كان يتوعدهم بما سيجري لهم كقوله: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ) .
وقوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ) ، ونحو ذلك كثير.