فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 116

ووصف الشمس بالجود وخطابها من الحقائق الإلهية التي لا يستقل العقل بدركها؟ فيجب تلقيها عن أصحاب الرائع بالقبول، كما سبق تقريره في المقدمة الثانية في صدر الكتاب.

وأما معنى غروبها في عين حامية، ففيه تأويلات:

أحدها: أنها تغرب فيها في رأي العين. لا الحقيقة كما يرى كأنها تغرب في البحر أو من وراء الجبل، بل من وراء جدار صغير، بحسب اختلاف مناظرها وأوضاع الناظرين إليها.

الثاني: أن"في"بمعنى (على) أي تغرب على عين حامية، أي تكون مقابلة لها، وحروف الصفات يقع بعضها موقع بعض كما قال تعالى: (لأصلبنكم في جذوع النخل) أي عليها.

وقال عنترة:

بطل كأنَّ ثباته في سرجه. . .

أي عليها:

وعلى بمعنى في، كقول أبي كبير الهذلي:

ولقد سريت على الظلام بمعشم.

أي في الظلام.

الثالث: أنها بمعنى عند. أي تغرب عند عين حامية. وقد ترد بمعنى عند، ومع، في العربية. فكلام يحتمل لهذه التأويلات السابقة في اللغة التي ورد بها، لا ينبغي أن يتهجم على القدح فيه.

وقد نقل بعض المفسرين عن كعب أنه قال:"فى التوراة أنها تغرب في ماء وطين".

وأصحاب الهيئة يعترضون على هذا بناء على ما قرروه من أن الشمس مثل كرة الأرض مائة وواحدة وستين مرة ونصف وربع فكيف تسعها عين من عيون الأرض؟ والجواب بما سبق.

وأما قوله:"إن هذا كله بين البطلان، لمن له أدنى معرفة بالهيئة"فجوابه: إن علم الهيئة مبني على مقدمتين:

أحدهما: أن حركة الأفلاك متصلة متشابهة يستحيل أن يعرض لها البطء والسرعة أو الرجوع أو الانقطاع.

والثانية: اعتبار الرصد.

وقد قدح: المحققون فيهما بما لا يسع هذا المكان ذكره.

ومنه: أن حاصل الرصد: الاعتماد على أبصار الآحاد والبصر لا يفيد اليقين لكثرة ما يعرض للبصر من الغلط، خصوصا مع

البعد المفرط، وخبر الآحاد إنما يفيد ظنا ضعيفا ودعوى أهل الهيئة: أن علمهم ثابت بالبراهين الهندسية كذب وزور وبهتان.

إذ لو كان كذلك لما وقع الخلاف العظيم بينهم في تفاصيل علمهم وجمله.

وإذا اتجه القدح في مقدمات الهيئة لم يبق بها وثوق، وصار خبر الشرع أوثق منها، على ما قدمت أنت أيها الخصم في بيان ضرورة النبوة من كلام"أرسطوا وغيره."

ثم نقول: إن علم الهيئة على تقدير صحته وثبوته لا ينفي ما فسرنا به كيفية غروب الشمس في العين الحامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت