فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 116

وأما قوله:"إن الشمس تدور أبدًا في فلكها، وهو الرابع، ولا تجري لمستقر لها"لأنه ليس لها قرار.

فجوابه من وجهين:

أحدهما: أن يقال له: أنت إما أن تكون فيلسوفا محضا، أو مشرعا تقول بصحة الشرائع، وما جاءت به النبوات. فإن كنت فيلسوفا، ورد عليك كثير مما تقول به من أحكام التوراة والإنجيل مما تعتقد الفلاسفة فسادها.

منها: دعواك في المسيح أن لاهوت الله اتحد بناسوته، فصارا حقيقة واحدة، أو أن الله - سبحانه - واحد بالذات متعدد بالأقانيم التي هي الله والابن وروح القدس.

وإن كنت مشرعا فيلزمك تجويز أن الشمس يمكن أنها تستقر وتقف، فإنه قد ثبت باتفاقنا:

أن يوشع ابن نون وقفت له الشمس عن مسيرها ليلة السبت، حتى فرغ من قتال الجبارين، وقد ذكرته أنت في كتابك هذا عند بيان وجود النبوة.

وثبت أيضا في الإصحاح الثامن والثلاثين من مصحف أشعياء أن الله سبحانه رد الشمس إلى خلفها عشر درجات علامة لحزقيا ملك بني إسرائيل على أنه ينفس له في عمره خمس عشرة سنة بعد أن حضره الموت مشهورة.

ومثل هذا لا يصح في علم الهيئة بناء على المقدمة المذكورة، وأن حركة الأفلاك متصلة.

ويقال: إن من حين وقوف الشمس لهذين النبيين تخبط حساب المنجمين، واختلط رأيهم. فالله أعلم.

وأما أنك تكون تارة فيلسوفا وتارة مشرعا. فهذا مما لا يمكن، لأن الفلسفة والتشريع لا يجتمعان وقد حاول قوم منهم أبو الوليد بن رشد الجمع بينهما فلم يحصل إلا على الحيرة، وظهر أمره فكاد أهل المغرب يقتلونه وأحسبه مات في حبس الشرع، وأنا أحسبك أيها الخصم حائرًا مترددًا لا نصرانيا ولا مسلما، ولا فيلسوفا.

الوجة الثاني: إن قوله: (لمستقر لها) ، له أربع محامل صحيحة:

أحدها: أن"اللام"بمعنى في: أي تجري في مستقر لها، وهو فلكها، تجري فيه ما بين طرفي مشارقها، ومغاربها من ناحية الشمال والجنوب، لا تجاوز ذلك.

الثاني: أن تكون بمعنى (إلى) ، أي تجري إلى مستقر لها، وهو حين تستقر زوال حركتها عند قبض الله السماوات والأرض وتكوير الشمس والقمر وانكدار النجوم عند خراب العالم على ما جاء به شرع الإسلام وأخبر به النبي الصادق - صلى الله عليه وسلم - وأشار إليه المسيح في الإنجيل حيث يقول:

"إذا جاء ابن الإنسان في مجده على الغمام، والملائكة حوله هنالك من عرفني اليوم عرفته ومن أنكرني أنكرته".

معنى هذا الكلام ويكون هذا معنى قوله - سبحانه وتعالى: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) .

الثالث: أن بعض أئمة السلف قرأ هذه الآية (والشمس تجري لا مستقر) أي لا تقف ولا تفتر، وهو معنى قوله تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ) أي لا يفتران من الدأب، وهو السعي الشديد، وتكون هذه القراءة مفسرة للمراد من الأخرى.

وكل هذا محتمل لا يقدح بمثله في فروع شريعة، فضلًا عن أصولها.

الرابع: أن يكون مستقرها موضع سجودها. كما جاء في الحديث.

وقد بينا جواز وقوفها عن السير، بقصة يوشع وحزقيا، وأن هذا مما يجب أن يتسلم عن النبوات ويتلقى بالقبول، ولا يقابل بشبه العقول القاصرة عن إدراك الحقائق الإلهية. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت