فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 116

أن ما عندنا ليس حجة عليكم - على زعمكم - فنفيت دعوانا ودعواكم ولا فاصل بيننا يلزمنا جميعا الرجوع إليه.

الوجه الثاني: أن خبر محمد - صلى الله عليه وسلم - أثبت ثلاثة الأيام، ولم ينف ما فوقها وأثبت العلامة، ولم ينف العقوبة. فإذن الجمع بين القولين ممكن، وهو أن سكوته كان تسعة أشهر، ومنها الثلاثة أيام المذكورة.

ولعله إنما اقتصر عليها لخصيصة فيها، وذلك أن في القرآن في سورة مريم (آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا) :

قال عبد الرازق: أخبرنا معمر عن قتادة عن عكرمة قال: (سَوِيًّا) من غير خرس.

وذكر في الإنجيل: أن زكريا بقي أبكم إلى أن وضع يحيى، والأبكم: الأخرس فلعله كان في الثلاثة أيام الأول ساكتا من غير خرس، وفي بقية المدة ساكتا بخرس ويكون الأول علامة، والثاني عقوبة والقرآن الكريم إنما ذكر هذه القصة في سياق ذكر النعمة على آل إبراهيم وآل عمران واصطفائهم على العالمين. فاقتصر على ذكر زمن الآية والعلامة التي هي من نعم الله

على خلقه. إذ هي موجبة الطمأنينة القلوب، ولم يذكر مدة البكم الذي هو عقوبة لئلا يفضي ذلك إلى ضرب من تكدير النعمة بذكر العقوبة عقيبها [[1] ].

والقرآن فيه من ملاحظات الآداب واللطائف ما هو أدق من هذا، وشبيه بهذا تأدب إبراهيم مع ربه حيث يقول: (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ(78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) .

فأضاف الخلق والهداية والإطعام والإسقاء إلى الله. لأنها نعم، وأضاف المرض إلى نفسه لكونه محله، وإن كان ليس منه في الحقيقة تأدبا لأن المرض صورته، صورة تفهمه. وإضافته إلى المنعم في سياق الاعتراف له بالإنعام تكدير للتأدب. وكذلك لا تنافي بين كون السكوت علامة صدق البشرى، وعقوبة على عدم المبادرة إلى التصديق بها، وذكر العقوبة في هذا ليس مما اخترعه هذا المصنف من الأسئلة على القرآن بل قد ذكره مفسرو القرآن منهم قتادة قال الطبرى:"وهو قول أكثر المفسرين".

قلت: وعليه إشكال. وإن كان قد ذكره المسلمون، فإنه لا خلاف بيننا وبين النصارى أن مريم لما بشرت بالولد استعظمت ذلك وقالت: (أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) ؟

نطق بذلك قرآننا وإنجيلهم، ثم إنها لم تعاقب على ذلك بشيء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت