فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 116

فإن قال قائل: إن زكريا كان أكمل من مريم، وأكمل في الحال أولى بالعقوبة على الأفعال، وهذا معلوم من قواعد الشرع والعمَل، ولهذا كان وعيد العلماء أعظم من وعيد الجهال؟

قلنا: الجواب من وجهين.

أحدهما: أن هذا مع قيام المقتضي للعقوبة، إنما يقتضي تخفيف العذاب عن المفضول في الحال، لا سقوطه بالكلية، وقد وجد مقتضي العقوبة في مريم كما وجد في زكريا، فكان ينبغي أن يحصل لها من العقوبة بحسب حالها.

الثاني: أنه باطل بأمر نبيهم لما سأل الطمأنينة بمشاهدة كيفية إحياء الموتى فإنه لم يعاقب، مع أنه في عدم المبادرة إلى قبول خبر الصادق كزكريا ومريم.

بل أولى لوجهين:

أحدهما: أنه كان في غاية من كمال الحال.

الثاني: أن المخاطب له لو كان هو الله نفسه على ظاهر القرآن، والمخاطب لزكريا ومريم كان الملك.

وبشارة زوجة إبراهيم حيث (فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ) ولم تعاقب.

والأشبه - والله أعلم - أن العقوبة لا مدخل لها هنا لوجهين:

أحدهما: أن الله سبحانه - خلق الإنسان من ضعف، ولم يجعل في قوة عقله إدراك الحقائق الإلهية، فعدل الله - سبحانه - يقتضي تمهيد عذر الإنسان إذا ضعف في مثل هذه المقامات المدهشة، ما لم يصر على العناد، ولو كان مثل هذا موجبا للعقاب لكان أولى الناس به موسى - عليه السلام - فإن الله سبحانه - لما قال له: (وَأَلْقِ عَصَاك) فألقاها إلقاء راغب عنها، ظنا منه أن الله نهاه عن حملها، ثم التفت فإذا هي حية تسعى، فأمعن هربا، فلما عاد قال له ربه: (خُذْهَا وَلا تَخَفْ) فلف كم مدرعته على يده، ثم تناولها. فقال له الملك: أرأيت لو أذن الله لما تحاذر أكانت تنفعك كمك؟ فقال: لا، ولكنى ضعيف، ومن ضعف خلقت. فإن موسى فعل هذه الفعال، وهو بحضرة الله - سبحانه - يسمع كلامه بغير واسطة،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت