وقد وانسه بالكلام، ولم يبق من أمره شك، فقد كان أولى بالعقوبة إذن، ولكن مثل هذا لا يقتضيها في عدل الله سبحانه.
الثاني: أن العقوبة تستدعي ذنبا، وليس ها هنا ما يصح أن يكون ذنبا إلا شك في قدرة الله، على ما أخبر به، أو في صدقه فيه، والأنبياء عارفون بالله وصفاته لا يخفى عليهم مثل هذا، وهم معصومون منه، وإنما كان ذلك من زكريا ومريم وإبراهيم وسارة وكل من صدر منه ذلك من المؤمنين بالله تعجبا من كيفية المقدور، لا شكا في حقيقته، فأراد أن يعرف: هل يعاد شابا ثم يرزق الولد، أو يرزقه وهو بهذه الحال؟ والتعجب وسؤال الله - سبحانه - كشف الأمور الملتبسة إن لم يقتض ثوابا، لم يقتض، عقابا.
ومن الدليل على أن العلامة مراده من سكوت زكريا ولا بد: ما ذكر في الإنجيل أن زكريا قال للملك:"من أين أعلم هذا وأنا شيخ وزوجتي قد تناهت في أيامها"؟
فهذا سؤال من زكريا للآية بلا شك. فأجابه الملك وقال:"أنا جبريل الواقف بين يدي الله، وأرسلت لأبشرك بهذا."
وها أنت تكون ساكتا، لا تقدر على الكلام إلى اليوم الذي يتم هذا. لكونك لم تصدق كلماتي اليوم التي تتم في زمانها"."
فأخبر في الإنجيل: أن جبريل أجاب زكريا على سؤاله، والجواب تجب مطابقته للسؤال، وقد ثبت أن سؤاله كان عن الآية، فيكون الجواب بها وزيادة العقوبة إن ثبت وسلمناه لا ينافي ذلك، لأن الجواب يجوز أن يتضمن زيادة عما في السؤال، كما في قوله: (وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى قال هي عصاي) هذا طبق السؤال، وقوله: (أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى) هذا زيادة عليه.
وقوله عليه السلام حين سئل:"أنتوضا بماء البحر؟ فقال:"هو الطهور ماؤه"هذا طبق السؤال."
وقوله"الحل ميتته"زيادة عليه، ويكون وجه الجمع بين الآية والعلامة: إما ما ذكرناه من قبل وهو أن ثلاثة الأيام سويا من غير خرس علامة، وباقيتها أخرس عقوبة، أو بأن مطلق السكوت علامة، وامتداده إلى حين الوضع عقوبة. والله أعلم.