فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 116

(الحجة الثامنة)

لا خلاف عند كل عاقل: أن محمدًا - صلى الله عليه وسلم - كان من أعلى الناس همة، وأوفرهم حكمة، ولولا ذلك لما انتظم له أمر هذا الناموس. هكذا بعده مدة طويلة مع أنه دعوى عند الخصم. لا حجة معه.

ولا خلاف أن من كان بهذه المثابة من علو الهمة ووفور الحكمة. وهمته تعلو إلى تقرير منصب دائم، ورياسة باقية. أنه يحتاط لأمره، ويعمل نتائج فكره حتى لا يتوجه عليه ما يفسد حاله، ويبخس مآله.

ومن المعلوم عند كل حكيم فطن لبيب: أن الكذب ينكشف ويستحيل رونقة وينكشف، خصوصا والمسيح إله النصارى يقول:"ما من مكتوم إلا سيعلن، ولا خفي إلا سيظهر".

فلو لم يكن (محمد) على يقين من صدق نفسه لما أقدم على دعواه خشية أن ينكشف أمره في تضاعيف الأزمان فيعود عليه سوء الذكر، مدى الدهر.

وكلامنا عالي الهمة وافر الحكمة، يخشى معرة المآل، كما يخشى معرة الحال فلا يرد علينا من يؤسس رياسة في حياته بما أمكنه من كذبه وبرهانه، ثم لا يبالي ما كان بعد مماته.

فإن ذلك في غاية الخساسة، ويحصل مقصوده برئاسة الملك، دون دعوى هذه الرئاسة.

(الحجة التاسعة)

لو لم يكن محمد صادقا لكان المسيح كاذبا، لكن المسيح ليس بكاذب، فمحمد صادق.

بيان الملازمة أن المسيح - صلى الله عليه وسلم - قال في الإنجيل:

"ما من خفي إلا سيظهر، ولا مكتوم إلا سيعلن".

وهذه نكرة في سياق النفي فتقتضي العموم، وإن كان خفي لا بد أن سيظهر، فعدم صدق محمد في دعواه، إما أن كان ظاهرًا أو خفيا فإن كان ظاهرًا كان يجب أن لا يتابعه أحد، وإن تابعه لرهبته أو رغبته فبالظاهر دون الباطن، حتى إذا زالت رهبته أو رغبته بزواله رجع عنه، لأن عاقلًا لا يختار الباطل على الحق، ولا الكذب على الصدق. فكيف بهذا الجمع الكبير والجم الغفير في أقطار الأرض يختارون ذلك. هذا محال، وإن كان خفيفا وجب أن يظهر لا سيما مع دهاء العرب وذكائهم وفطنتهم وصحة، طبعهم وفطرتهم، فقد كان فيهم الكهنة والمنجمون والزجار والمتطيرون، وأكثرهم يصيبون ولا يخطئون.

منهم من الأذكياء أبو بكر وعمر وعمرو بن العاص والمغيرة بن شعبة وكثيرون لا يحصرهم عدد، وقد كانوا يستخرجون بأذهانهم ما هو أخفى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت