فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 116

قلت: ويغلب على ظني أنه قد كان به علة مانعة، أو فكرة شاغلة.

فإن قيل: فمحمد كان أولى بهذا التماسك من أبي مسلم لفضيلة منصب النبوة وفكرته في الجهاد، وإقامة الدين، وكمال معرفته بأحكام الآخرة؟

قلنا: كذلك كان، ولهذا قالت عائشة:"كان أملككم لأربه"لكنه لو بالغ في التماسك عن هذه الشهوة، لشق على أمته التأسي به"فإنه كان يطيق ما لا يطيقون، فكان يلزمهم الحرج، وذلك ينافي نصوص الشريعة برفع الحرج فكثر منه، دفعا للحرج عن أمته، وأيضا فإنه كان مشرعا معلما، كما قال:"إنما بعثت معلما""

وعلم أن في صورة هذا الفعل ما تحتشمه النفوس وتنجيه منه، فجزاهم عليه بإكثاره منه فعلًا وقولًا، لئلا يتقاصروا عنه أحيانا أو يقدموا عليه على وهم وإبجاش فيحرجوا بذلك، فأرد أن يوسع عليهم المجال في الحلال، ويخالف أهل الزور

والمحال، النصارى الضلال.

قوله:"إنها كالخمر تسكر الذهن الإنساني وتذهب قوته".

قلنا: إن صح هذا فهو الإكثار منها لا مطلعها، على أن الإنسان إذا داوم تركه بعد اعتياده يجد لذلك ثقل بدن وكرب وانقباض يورثه بلادة ووسواسا ويحصل له بفعله انشراح وانبساط، ولذلك هو أكبر دواء العشاق، كما ذكره الأطباء.

قال:"ولأنها مضادة لأنواع السرور الروحانية العلية، فهي تصرف النفس بالكلية عنها، إذ يفسد ذوق القلب، فلا يستطيب شيئا من الخبز كما في العكس، وهو أن الذين يستطيبون الأمور الروحانية الأزلية لا يستطيبون اللذات الجسدانية بل يكرهونها ويهربون عنها".

قلت: أما قوله:"إنها مضادة للروحانيات"فباطل بالأنبياء، إذ هم أعظم البشر روحانية، وكانوا يستعملون هذه اللذة، وكل ما ذكره في هذا الفصل باطل والحق خلافه، بل هذه اللذة إذا استعملت على الوجه الحلال قصدا لا إفراط ولا تفريط، وقصد بها إعفاف الدين وتحصين الدين والفرج.

والتفرغ من قلق الشبق، لطاعة الباري في النهار والغسق، كانت أفضل من عبادات كثيرة.

ولهذا قال بعض علماء المسلمين"إن التشاغل بالنكاح أفضل من التخلي لنوافل العبادة، حسما لمادة فساد الدين بالزنا ونحوه".

وأما ترجيح الروحانيات عند أصحابها، فلأنهم لا يحصلونها إلا بعد قهر الطبيعة برياضة البدن وكسر شهوته، وإضعاف قوته بصيام الهواجر، وقيام الدياجر، حتى تقوى قوى النفس على البدن، وحينئذ يصير تركهم لضعفهم عنه، لا لما أرادوا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت