ثم قد أجمع الناس على جواز نكاح العاقر والصغيرة التي لا تلد، ومن ارتفع حيضها ونحوهن، فلو لم تكن اللذة مقصودًا أصليا. لما جاز ذلك.
فأما قوله:"إنه ذنب".
فجوابه: أن يقال: هو ذنب إذا كان حراما أو مطلقا؟ الأول مسلم، والثانى ممنوع، ولو كان كذلك لم يفعله الأنبياء وأيضا لو كان استعمال الآلة للذة فقط ذنبا واستعمال سوء، مع أن حصول الذرية منه غير مقطوع به، لما كان في تجويزه لأجل الذرية إقدام على ذنب محقق لتحصيل فائدة غير محققة وذلك ينافي السياسة العقلية.
قال:"وأيضا لذة اللحم ليس شأنها اجتلاب فائدة، بل تدفع الفوائد الروحانية وهي في نفسها خسيسة ردية مهلكة، فإنها كالخمر تسكر الذهن الإنساني وتذهب قوته، وكالضباب يصير العيون مظلمة".
قلت: قد بينا فوائد هذه الحاسة أول الكتاب، ونص عليها الأطباء، وعلى مضار تركها، ولو صح ما قاله من دفعها الفوائد الروحانية، لوجب أن تكون محابيس النصارى وغيرهم الذين لم ينكحوا قط، أفضل من الأنبياء كإبراهيم وموسى وهارون، ويشوع بن نون، والأنبياء الاثنى عشر وأشعياء ودانيال، روحانية منهم.
ولقد حيرني هذا العلج في أمري بتلونه، فإنه تارة نصراني مثلث أو غيره، وتارة فيلسوف معطل، وتارة عامي جلف، فنعوذ بالله من التلون.
قوله:"هي في نفسها خسيسة ردية مهلكة"إن أراد بخستها قبح صورتها طبعا، ورد عليه حالة البول والتغوط، بل حالة الأكل لأنها سببهما، ولا يقال هذه الأحوال ضرورية طبعا، لأنا نقول مثله هناك، إذ النكاح ضروري من حيث الطبيعة والشهوة يتأذى بتركه الدين والبدن، كما سبق.
وقوله:"إن أراد إهلاك الدين بالتتابع فيها"فذلك إنما هو في الحرام لا الحلال، وإن أراد هلاك البدن بإضعافه فذاك يتقدر بحسب اختلاف المروءات والعقود والمحمود منه: القدر التوسط، الذي لا ينهك البدن بكثرته ولا يفضي إلى إنهاك الدين بالإقلال منه.
ويحكى:"أن أبا مسلم الخراساني كان لا يأتي النساء في السنة أكثر من مرة. ويقول: هذا جنون. فأكثر من مرة لا يكون".