الثاني: أن اقتصار هذه الحيوانات على أنثى واحدة. هل هو على جهة قمع الشهوة، أو على جهة الحيوانية والطبيعة، وعدم الشعور بحقائق الأمور؟
فإن كان الأول لزم أن تكون هذه الحيوانات عقلاء كاملي العقل حتى قمعت شهوتها بعقلها، وأن الدب أعقل من"إبراهيم"حيث كان في فراضه"سارة"و"هاجر"ومن"يعقوب"حيث جمع بين ابنتي خاله"لينة"و"راحيل"
وجاريتهما في فراش واحد، فضلًا عن أن تكون هذه الحيوانات أعقل من بقية عقلاء الآدميين.
وإن كان الثاني لم تصح الأولوية ولا القياس. والتنظير بم يكون؟ قد اجتمعتم أنتم وبعض الحيوان البهيم على رأي. ونحن وبقية العالم على رأي، وموافقة الأكثر أولى من موافقة شرذمة قليلة، تقلد في دينها ودنياها ومعاشها ومعادها حيواناتهم، خصوصا السبع والدب اللذين هما من أدمع الحيوانات وأبلدها.
ولعل هذا من جملة الأسباب الموجبة لأطباق الحمى على الأسد، لأن طبيعيته في الأصل حارة، وباقتصاره على أنثى واحدة يقل نزوة، فتختص الحرارة في يديه، فيبثها القلب إلى سائر نواحيه. وهذه حقيقة الحمى.
وقد بينا في أول الكتاب أن من منافع النكاح تخفيف البدن وتنشيطه.
فإن قلت: فالأسد في الشجاعة والنشاط على الغاية بخلاف سائر الحيوان، وما ذكرته يقتضي تثبطه لثقل بدنه.
قلت: وما يدريك لعله لو أكثر من النزو بحسب ما تقتضيه حاله، كان يكون أشجع وأنشط.
قال:"وأيضا فإن فائدة آلة التناسل في الزوجين: الذرية لا اللذة ثم اللذة، لأن كانت تصحبها تبعا، لا بالقصد الوضعي، لكن استعمال الآلة للذة فقط استعمال سوء مائل عن الاستعمال المستقيم. ولذلك هو ذنبا."
قلت: هذا ممنوع، بل المقصود من آلة التناسل الذرية واللذة جميعا بالقصد الأول.
أما الذرية فبالاتفاق، وأما اللذة فلأن الباري - سبحانه - ابتلى خلقه بتركيب الشهوات فيهم خصوصا هذه الشهوة فإنها أشدها، فلو لم يجعل إلى قضائها طريقا مباحا للزم منه تكليف ما لا يطاق، إذ كان يكون مثال الشخص في الدنيا مع كثرة نسائها مثل شخص حبيس في دار مملوءة حيات، بحيث لا يطأ إلا على جماعة منهن، ثم يقال له: إياك أن تطأ منهن شيئا واحترس أن يلدغك.