أما الآية الكريمة المخبرة بنفي قتل المسيح وصلبه فنعتقد أنها حق وصدق ونتمسك بها على القطع بذلك لأنها عندنا صادر عن الحكمة والعلم الإلهيين بواسطة العصمة النبوية وهي منقولة إلينا بالتواتر.
وأما ما حكاه عن"ابن عطية"في تفسير قوله"شبه لهم"فذاك مما لم يختص بنقله"ابن عطية"بل ذكره جميع مفسري القرآن قديمهم وحديثهم على اختلاف بينهم في ذلك.
فقال ابن سمعان ومحمد بن إسحاق:"إن الذي ألقي عليه شبه عيسى هو رجل من أصحابه يقال له جرجيس"وقال وهب بن منبه:"هو يهوذا الذي أسلمه، ودل عليه، وهو الذي اسمه في الإنجيل يهوذا الإسخريوطي".
قلت: وهذا أشبه. لأن عادة الله - سبحانه - جرت في أنبيائه أن يرد كيد من عاداهم عليهم، كنوح أنكره قومه فنجا وغرقوا. وإبراهيم إذ ألقي في النار فكانت عليه بردًا وسلامًا.
وموسى إذ عاد مكر فرعون عليه فأغرقه، وقارون إذ قذف موسى بالزنا ليقتله، أو يغض منه فخسف به. وعيسىِ مكر به يهوذا فعاد مكره عليه - ومحمد - صلى الله عليه وسلم - إذ قال الله سبحانه له: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) ، وقال الله - سبحانه: (وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ) وقال في قوم صالح حين أرادوا تبييته: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) .
وأما قوله:"إن ذلك باطل بالتواتر عند الأمتين اليهود والنصارى ومؤرخي المجوس".
فجوابه: أن المدعى تواتره عند اليهود والنصارى: ما هو: صلب إنسان مطلق؟ أو صلب إنسان مقيد بأنه المسيح؟
الأول مسلم، ونحن أيضا نوافق عليه، وهو جرجيس، أو هو ذاك