ما سبق عن ابن إسحاق ووهب، والثاني ممنوع، وهو محل النزاع وسنبين مستند المنع في آخر هذا الجواب.
وأما مؤرخو المجوس فالجواب عن تأريخهم بذلك من وجوه: أحدها:
أنهم لم يكونوا حاضري قصة المسيح ولا أحد منهم. فمدار اعتقادهم صلبه على خبركم وخبر اليهود ولا حجة فيه لأن الأمر اشتبه على من حضر القصة بأن أظلمت الأرض ظلمة شديدة صرح بها الإنجيل وغيره ففى تلك الظلمة أطلقت الملائكة المسيح وربطت الذي ألقى عليه شبهه مكانه، فاعتقدتم أنتم: أن المسيح صلب. [[وقرى] ] ذلك الاعتقاد في نفوسكم: حنقكم
على اليهود، وحب تقرير العلم للعدوان عليهم، واعتقدت ذلك اليهود كما اعتقدتموه، وحملهم على ذلك الاعتقاد: حب الغلبة والظفر بمن اعتقدوه عدوًا لهم ولو وفقوا لتابعوه فعليهم وعليكم
من الله ما تستحقونه.
الوجة الثاني: أنا أجمعنا وإياكم على ضلال المجوس، وسخافة عقولهم حيث عبدوا النار التي يوجدها الحطب، ويعدمها الماء والتراب، وانقطاع مادة الوقود فعقول هذا شأنها كيف تكون حجة على العقلاء؟ وإن كانوا عندكم عقلاء فاعبدوا النار معهم، وإذا كنتم أنتم أصحاب الدعوى، ندعي نحن: أن الأمر اشتبه عليكم والتبس، فما الظن بقوم جهال أجانب من القضية سمعوكم واليهود ترجفون بشيء فقلدوكم فيه، وتابعوكم عليه، كما قلدوا آباءهم في عبادة النار.
الوجه الثالث: أن المجوس أعداء للمسلمين والنصارى واليهود مثلكم وشأن العدو أن يطلب لعدوه العثرات، ويتبع منه العورات، ولا شك أنهم تتبعوا عثراتكم. وعثرات اليهود فوجدوها.
أما عثراتكم فدعواكم التثليث وإلهية المسيح، وغير ذلك من سخافاتكم.
وأما عثرات اليهود فأكثر من أن تحصى على ما دلت عليه كتب الأنبياء المتقدمين والمتأخرين كقتلهم الأنبياء بغير حق وتعديهم حدود الله، وإبائهم عن الانقياد له ولرسله وكيدهم المسيح وبغضهم عليه مع
إظهاره العجائب والبينات. ومعصيتهم الله - سبحانه - سلط على أوائلهم فرعون فسامهم سوء العذاب، خمسمائة عام حتى استنقذهم الله بموسى، ثم كان له معهم من التعب ما لا يخفى.
وأما المسلمون فلم يجدوا لهم عثرة يقدحون بها فيهم، فقووكم على صلب المسيح ليوهموا بذلك القدح في القرآن كيدا للمسلمين ولو لم يكن إلا مجرد احتمال هذا للقصد منهم، كان ذلك تهمة لهم تقتضي عدم الالتفات إلى مقالهم.