وأما ما ذكره من نص الكتب المقدسة. ككتاب أشعياء ودانيال وإنجيل متى فجوابه من وجوه:
أحدها: الجواب العام من عدم الوثوق بهذه الكتب لتقادم عهدها ونقلها من لغة إلى لغة وتهمة اليهود والنصارى عليها خصوصا الإنجيل. فإنا قد بينا في التعليق عليه ما يقيم عذرنا في عدم الوثوق به، من الاختلاف والتناقض.
ونص كلام أشعياء:"لكن أحزاننا حملها، وأوجاعنا تحملها. ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا. وهو مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا، تأديب سلامنا عليه، وبحبره شفينا، كلنا كغنم ضللنا. ملنا كل واحد إلى طريقه، والرب وضع عليه إثم جميعنا."
ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه، كشاة تساق إلى الذبح، وكنعجة صامته أمام جازيها، فلم يفتح فاه. من الضغطة ومن الدينونة أخذ، وفي جيله من كان يظن أنه قطع من أرض الأحياء.
أنه ضرب من أجل ذنب شعبي، وجعل مع الأشرار قبره، ومع غنى عند موته، على أنه لم يعمل ظلما، ولم يكن في فمه غش"."
وقوله:"ويساق إلى الذبح، وكنعجة صامته أمام جازيها، فلم يفتح فاه"
لا حجة فيه على وقوع القتل، بل على القود إلى القتل. ونحن نقول به، فإنهم قادوه ليقتلوه، فخلصه الله بما ذكرناه، وكم من قيد إلى القتل ثم نجا، فلم يقع به القتل.
قلت: وفي كلام أشعياء هذا تصريح بالإخبار بقتله ودفنه. لكن عليه إشكالان:
أحدهما: أن في أول هذا الفصل بعينه، وهو النبوة في المسيح:"إن عبدي ليفهم وبرتفع ويتعظم ويتعالى جدا، حتى يتعجب منه كثير من الناس"
وساق صفاته إلى أن اتصل بذكر قتله ودفنه، فهذا تصريح بأن المسيح عبد الله، وأنتم تقولون: هو الله، أو ابن الله، كما صرح
به الإنجيل.
فإن قلتم بمجموع الأمرين أعني عبوديته وقتله، فقد خالفتم دينكم في القول بالعبودية.
وإن ألغيتم الأمرين ولم تعتدوا بهما فقد سقط عنا إشكال الإخبار بالقتل.
وإن قلتم بأحدهما دون الآخر وهو القتل كان ذلك ترجيحا من غير مرجح، واحتجاجا بكلام تقدحون في بعضه ثم نقابلكم بمثله، فنقول بالعبودية دون القتل.
فإن قيل: ذكر العبودية باعتبار ناسوت المسيح، كآلهيته حتى باعتبار لاهوته؟
قلنا: هذا هوس، وأنتم عند التحقيق عاجزون عن إثباته. وقد وجهت ذلك في التعليق على الإنجيل.