وقال فيه أيضاً: وقد يظن الجهال أن شرط التوكل ترك الكسب وترك التداوي وترك الدعاء وذلك خطأ وجهل بمواقع الشرع، لأن ذلك هو استسلام المهلكات، والإلقاء باليد إلى الهلكات حرام جاء في نص الكتاب العزيز، وسنة رسول الله النهي عنه، وقد ورد ترك التداوي ليس من التوكل.
قال: وأما الادخار فالمتوكل إذا كان معيلاً فله أن يدخر قوت عياله سنة، كذلك فعل رسول الله صلى الله عليه وسلّم في عياله. وأما في حق نفسه فكان لا يدخر غداه لعشائه.
قلت: يعني أنه قد قال كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء. وقال الله: ما رفعت رجلي فظننت إني أضعها قبل أن أموت، وما أرسلت طرفي وظننت إني أرجعه قبل أن أموت، وما ينى لبنة على لبنة، ولا وضع قصبة على قصبة وإنه لكما قال شاعره الصادق القائل:
كفاف من الدنيا كفاه ولم يزد ... ولا مال حاشاه لملك ولا ملك
كراكب بحر ما حوى غير زاده ... يخفف أثقالاً ليسرع بالفلك
كذلك أوصانا فيا سوء حالنا ... حملنا ثقالاً كيف بالله لا نبكي
ثم قال الغزالي: ولا شك أن طول الأمل يناقض التوكل.
وقال إبراهيم الخواص إذا ادخر المتوكل نفسه قوت أربعين يوماً لم يبطل توكله وإن لم يكن معيلاً وقال سهل بن عبد الله التستري وإنما حده عند سهل أن يقنع بقوت يوم وليلة ويفرق الباقي انتهى ولكل مقام رجال.
قال: وأما مباشرة الأسباب الدافعة كالفرار في السبع ومن الجدار المائل ومجرى السيل ودفع المرض بالأدوية فله درجات والقوي لا يخفي حاله. وأما الضعيف الذي يضطرب قلبه فالأفضل له أن يدع طريق المتوكلين ولا يحمل نفسه ما لا تطيقه إذ فساد ذلك في حقه أكثر من صلاحه فإن الأقوياء قد يسافرون في البراري البعيدة الخالية عن الساكن يغير ماء ولا زاد وقد يطوي بعضهم أكثر من عشرين يوماً توكلاً كما يعرف ذلك من أخبارهم وأفضلهم عيسى ابن مريم عليه أفضل الصلاة والسلام. أما الضعيف إذا فعل ذلك فهو عاص ملق بنفسه في الهلكة. بل القوي لو حبس نفسه في كهف جبل ليس فيه حشيش ولا يجتاز به إنسان فذلك أيضاً حرام لأنه خالف سنة الله في خلقه وإنما جاز ذلك في البوادي لأن سنة الله جارية بأبها لا تخلو عن الحشيش وقد يجتاز بها الآدميون فإذا قوي كان هلاكه نادراً فلم يكن بذلك عاصياً. فله أن يسافر في البادية متوكلاً على لطيف صنع الله تعالى انتهى مختصراً مما ذكره حجة الإسلام على ذلك في الإحياء فمن أراد الازدياد فليطالع ذلك الكتاب يرى فيه العجب العجاب.