-وبدلالة الاقتضاء عتابهم على عدم تعرضهم لأسباب الشهادة وطلبها عندما اقتربت، وكأنه يقول لهم: كنتم تطلبون الموت وهذا هو الموت قد رأيتموه فلماذا لم تتعرضوا له وتباشروا الخير العظيم بطلب الشهادة، ولكنكم انهزمتم.
قال الطبري (4/ 108) :(حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق {وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} أي: لقد كنتم تمنون الشهادة على الذي أنتم عليه من الحق قبل أن تلقوا عدوكم، يعني الذين حملوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على خروجه بهم إلى عدوهم، لما فاتهم من الحضور في اليوم الذي كان قبله ببدر رغبة في الشهادة التي قد فاتتهم به، يقول {فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} أي الموت بالسيوف في أيدي الرجال قد حل بينكم وبينهم وأنتم تنظرون إليهم فصددتم عنهم.
وأخرج ابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس: إن رجالا من أصحاب النبي كانوا يقولون ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد، أو ليت لنا يوما كيوم بدر نقاتل فيه المشركين ونبلي فيه خيرا ونلتمس الشهادة والجنة والحياة والرزق، فأشهدهم الله أحدا فلم يثبتوا إلا من شاء الله منهم، يقول الله عز وجل:
{وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ} .
وقال مقاتل بن سليمان نزلت في الذين قالوا: يا نبي الله أرنا يوما مثل يوم بدر فأراهم الله يوم أحد فانهزموا فعاتبهم الله. انتهى) .
قال القرطبي (4/ 220) : (وذلك أن كثيرا ممن لم يحضروا بدرا كانوا يتمنون يوما يكون فيه قتال فلما كان يوم أحد انهزموا وكان منهم من تجلد حتى قتل، ومنهم أنس بن النضر عم أنس بن مالك فإنه، قال لما انكشف المسلمون: اللهم إني أبرأ إليك مما جاء به هؤلاء وباشر القتال، وقال إيها إنها ريح الجنة إني لأجدها، ومضى حتى استشهد، قال أنس فما عرفناه إلا ببنانه ووجدنا فيه بضعا وثمانين جراحة.
وفيه وفي أمثاله نزل {رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} ، فالآية عتاب في حق من انهزم