الصفحة 13 من 53

الإيمان، ضرورة انتفاء الملزوم لانتفاء لازمه، ولا سيما التلازم بين هذين الأمرين فإنه من الطرفين، وكل منهما ينتفي بانتفاء الآخر، ثم أخبرهم أن هذا الرد خير لهم، وأن عاقبته أحسن عاقبة. [1] .

ويقول ابن كثير: (فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله، وشهد له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: {إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم، فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر. [2] .

وإذا كان التحاكم إلى شرع الله تعالى شرطا في الإيمان، فإن التحاكم إلى غير هذا الشرع - وهو حكم الطاغوت والجاهلية - ينافي الإيمان، وهو من علامات النفاق، وقد سبق أن أوردنا كلام محمد رشيد رضا حيث يقول عند قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون} [النساء، آية 60] : (والآية ناطقة بأن من صد وأعرض عن حكم الله ورسوله عمدا، ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به، فإنه يكون منافقا لا يعتد بما يزعمه من الإيمان، وما يدعيه من الإسلام. [3] .

ويقول الشيخ السعدي - في هذا الصدد: (الرد إلى الكتاب والسنة شرط في الإيمان .. فدل ذلك على أن من لم يرد إليهما مسائل النزاع فليس بمؤمن حقيقة، بل مؤمن بالطاغوت كما جاء في الآية: {ألم تر إلى الذين يزعمون .. } الآية، فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه، في كل أمر من الأمور، فمن زعم أنه مؤمن، واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك. [4] .

ويؤكد سيد قطب [5] على أن عدم تحكيم الشريعة الإسلامية لا يجتمع مع الإيمان، فيقول رحمه الله عند وقوفه على قوله تعالى: {وكيف يحكمونك وعندهم التوراة فيها حكم الله ثم يتولون من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين} [المائدة، آية 43] : (فهي كبيرة مستنكرة أن يحكموا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحكم بشريعة الله، وعندهم - إلى جانب هذا - التوارة فيها شريعة الله فيتطابق حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما عندهم في التوارة، مما جاء القرآن مصدقا ومهيمنا عليه، ثم يتولون من بعد ذلك ويعرضون، سواء كان التولي بعدم التزام الحكم، أو بعدم الرضا به. ولا يكتفي السياق بالاستنكار، ولكن يقرر الحكم الإسلامي في مثل هذا الموقف {وما أولئك بالمؤمنين} [فما يمكن أن يجتمع الإيمان، وعدم تحكيم شريعة الله، أو عدم الرضى بحكم هذه الشريعة، والذين يزعمون لأنفسهم أو لغيرهم أنهم) . مؤمنون، ثم لا

(1) أعلام الموقعين 1/ 49، 50.

(2) تفسير ابن كثير 3/ 209.

(3) تفسير المنار 5/ 227.

(4) تفسير السعدي 2/ 90 باختصار.

(5) سيد قطب بن إبراهيم، مفكر إسلامي كبير، وأديب بليغ، له جهود ظاهرة في الإصلاح، وصاحب مؤلفات، توفي مقتولا سنة 1387 هـ.

انظر الأعلام 3/ 147.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت